الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

حوار: المجلة الثقافية الجزائرية



كاتبة سودانية واثقة من نفسها، رغم أن اقتحامها لعالم الكتابة لا يتجاوز رواية ومجموعة قصصية واحدة ومجموعة من النصوص على الشبكة العنكبوتية إلا أنها لفتت انتباه النقاد منذ باكورتها "فلاش أخضر" الصادرة عن الشركة العالمية للطباعة، والتي كانت "بداية قوية لروائية شابة" كما أجمع العديد من النقاد.. رانيا مأمون تفتح قلبها للمجلة الثقافية الجزائرية وتتكلم عن نفسها وعن المثقف في السودان، وعن المبدعة السودانية التي تبحث عن مكان لها تحت الشمس في ظروف استثنائية يعيشها السودان، والوطن العربي ككل.. *
·       لو طلبت من رانيا مأمون أن تقدم نفسها لقراء المجلة الثقافية، ماذا ستقول؟
كاتبة من جيل الكتاب الشباب في السودان، صدر لي كتابان (فلاش اخضر) رواية 2006 و(13 شهراً من إشراق الشمس) – قصص 2009، إضافة لمشاركات مع كتاب آخرين في ثلاثة كتب بالعربية والإنجليزية والفرنسية.
·       أنت قاصة وروائية سودانية أيضا.. دعيني أسألك عن ماهية الكتابة بالنسبة إليك؟
تعني الكتابة بالنسبة أن أكون، أن أدّلل على عبوري بهذه الأرض وتحت هذه السماء وفي هذا الوقت الذي أنا أحيا فيه الآن. الكتابة هي عشقي العصيّ أحياناً، والمشاغب أحياناً أخرى وسارق الوقت في كثير من الأحيان. الكتابة صديقتي ورفيقتي وهي فرحي وسعادتي، عندما أكون في حالة كتابة أو عندما أنتهي منها، أشعر بالخِفة والحبور، وأشعر بأنني أحقق وجودي وذاتي، إنها شغفي الأبدي.
·       لعل ما يبدو جليا هو ظهور رواية سودانية جديدة في السنوات الماضية أعادت بعض النبض الجديد لسودان الطيب صالح، حدثينا عن المشهد الأدبي في بلدك؟
المشهد الأدبي في السودان غني ويزداد غنىً باستمرار، فهو في حالة رفد متواصل بأسماء جديدة وتجارب جديدة وكتاب جيدون، نعاني من حركة جماعية في تطوير هذا المشهد، فالتطور على المستوى الفردي الشخصي يفوق كثيراً الحركة العامة أو النشاط الأدبي والثقافي بفعالياته المختلفة، فهنا حركة العمل الثقافي بطيئة سواء كانت الرسمية أو حتى تلك التي تنظمها منظمات المجتمع المدني على اختلافها، فضلاً على أنها منقطعة غير متصلة وغير راتبة إلا القليل، ولكن كجهود فردية هناك عمل على التجارب الشخصية وعمل كمجموعات أصدقاء صغيرة تتلاقح وتتناقش وتقرأ لبعضها البعض وتنفتح على الآخر ثقافة وتثاقفاً.
·       وكيف تفسرين أن الرواية السودانية غائبة عن المشهد العربي خارج حضور مؤسسها "الطيب صالح"..؟
الأسباب شتى، أولها الإعلام سواء كان المحلي السوداني أو العربي الذي لا يعرف سواء الطيب صالح والذي ينظر للسودان باعتباره بلد هامش ثقافي لا يمكنه أن يأتي بمثل الطيب صالح، والطيب صالح اسم كبير وكاتب كبير نفتخر به جميعاً، ولكن هناك غيره سواء كُتاب قبله لم يجدوا حظهم من القراءة والانتشار، ومجايليه وأيضاً بعده جاء الكثيرون، لكن الإشكال في أن هؤلاء لم يُعرفوا إعلامياً خارج السودان.
ومن الأسباب أيضاً عملية النشر والتوزيع فرغم أن دور النشر السودانية تشترك بمعارض كتب عربية وإقليمية إلا أن توزيعها للكتاب ضعيف ويقتصر هذا التوزيع على مكتبات الخرطوم ومدن قليلة أخرى، ناهيك عن مشاكل الطباعة وجودتها.
وكذا مما أسهم في غياب الرواية السودانية لفترة طويلة في المشهد العربي دور المؤسسة الرسمية هنا التي لا تعني بالثقافة والأدب ولا تهتم به ربما هناك قضايا أهم في اعتبارها من الثقافة والأدب.
والسبب الأخير في رأيي هو الكاتب نفسه الذي لا يقِّدم نفسه ويسوِّق لنفسه وذلك مرده إلى الطبيعة الصوفية المتواضعة الحييَّة التي تسير بالبركة والتي تتحلّى بها الشخصية السودانية على العموم، والتي تميل إلى النأي بنفسها من الاختراق وعرض ما لديها من إبداع، وتلاحظ هذا حتى لدى الطيب صالح نفسه، لكن هناك بعض الكتاب والمثقفين الذين خرجوا من هذه الدائرة وساعدتهم ظروفهم في الاختراق مثل طارق الطيب وأمير تاج السر وليلى أبو العلا وجمال محجوب ببريطانيا وأحمد الملك بهولندا وإشراقة مصطفى بالنمسا وغيرهم كُثر من الذين استطاعوا أن يكسروا عزلة المبدع السوداني ويخترقوا الأوساط الأدبية، ليس في العالم العربي فقط ولكن الأوروبي والأمريكي، وتمكنوا من التفاعل مع الحراك العام والإضافة للمنجز الأدبي في تلك البلدان سواء من كتبوا بالعربية أو باللغات الأخرى.
·       لعل ما أقصده بشكل خاص هو أن الحديث عن الأدب السوداني صار منحصرا في أسماء قليلة بعينها؟ لماذا؟
لأن الإعلام لا ينقِّب عن  تلك الأسماء التي تكتوي بنيران الكتابة والإبداع ولكنها لا تعرف طريقها لاستوديوهات الإذاعات والتلفزيونات، السودان بلد غني، غني إبداعياً ولكن إعلامنا لا يعرف كيف يوظِّف هذا الغنى ويُخرجه بشكلٍ لائق وجاذب، وكذا لا يفعل الإعلام في الدول العربية. لا أريد أن أضع اللوم على جهة بعينها ولكن الأسباب متباينة كما أسلفت وجميعها يتحمل جزءاً من مسؤولية عدم انتشار الكاتب السوداني بشكل يتناسب مع إبداعه وتجاربه وتفرده. لقد قابلتُ في الأيام القليلة الماضية شباب واع ناضج مثقف ثقافة عالية ولكنه لم يبحث عن درب الشهرة والانتشار، إنما يعمل بعيداً منزوياً ضمن إطار محدود يبدأ بمنتديات في البيوت وفي بعض بيوتات الثقافة والفنون بالخرطوم يقرؤون الشعر ويتحاورون ويغنون ويعزفون الموسيقى، وبعضهم يكتب في منتديات الإنترنت لا أكثر. أطربوني فعلاً هؤلاء الشباب وأثبتوا لي بأن السودان ثري ويختزن الكثير الكثير من الإبداع والمبدعين.
·       في روايتك التي اطلعت عليها قبل عامين" فلاش أخضر" بدت لي رانيا مأمون وكأنها تعيد رسم المجتمع السوداني بطريقة مغايرة عما فعله كتاب آخرون.. هل تشعرين أن العالم العربي لم يفهم السودان بشكل حقيقي؟
السودان ظلَّ دوماً مجهولا بالنسبة للقاريء في العالم العربي، حتى المثقفين لا يعرفون سوى القليل عن السودان وثقافته، إلا من كانت تربطه علاقات صداقة متينة مع كتاب ومثقفين سودانيين. العالم العربي بدأ يلتفت للسودان مؤخراً وهذا بتأثير كبير من الاضطرابات والحروب والقضايا السياسية، وليس لأنه يريد أن يكتشف ويتعرف على ثقافته وتأريخه وفنونه ومجتمعه وإنسانه، فرضت المشاكل السياسية الداخلية على الإنسان في العالم العربي والعالم أجمع أن يسمع اسم السودان أكثر من مرة في نشرات الأخبار، مما حرّك الفضول لدى البعض لاكتشاف هذا البلد الذي ظل منسيا فترة طويلة. لذا والوضع كهذا من محصلاته أن لا يعرف العالم العربي السودان، وأن يندهش مما يأتي به كاتب سوداني أو فنان أو تشكيلي وكأن الفرد يلتفت بدهشة فيقول القائل: أين كان كل هذا؟!
 كان موجوداً ولكنه ظل متوارياً؛ لأن التركيز كان منصباً في نتاج دول أخرى تعتبر مراكز ثقافية في الخارطة العربية.
·       لعل ما يبدو ملفتا في نصوصك هو تلك الرغبة في التغيير التي تسيطر على أبطالك رافضيين الكسل، والتزمت، والاستسلام للأمر الواقع.. هل تشعرين أن الكتابة تعوّض خسائر الإنسان الراهنة في واقع يتحرك أحيانا بشكل مغاير للمطلوب؟
نعم؛ فنحن نكتب ما نتمناه، ما نحلم به ويشغلنا، ما نفتقده على الأرض نخلقه في المخيلة ونعيش معه داخل السطور وفي ثنايا الحكايا. أنت ترى أن التغيير الآن أصبح هو المطلب رقم واحد خاصة في العالم العربي، التغيير سُنة من سنن الحياة، وهي ما تخلق للواقع حيويته وتجبره على التحرك من خانة إلى أخرى وتدفعه للتقدم والاستمرارية. ما يحدث الآن هو موجة من الرفض، رفض ما سكن قابعاً فترات طويلة دون تغيير، الرفض يدفع للتغيير والتغيير يدفع لبعث الحياة في مفاصل الواقع. الكتابة عن التغيير وعن الرفض هي مخرج لما يعتمل في داخل الكاتب وهي أحلامه التي يتمنى أن يراها مُحققة وربما هي تنبؤ وتحريض للفعل المغاير لحركة سير الواقع القائم.
·       مع ذلك لا تبدين معنية بالمطالب التي تأكل أظافر كاتبات أخريات، كالحرية والجسد الخ، هل تشعرين أنك معنية بقضايا أهم من الجسد مثلا؟
إنني اشتغل على الإنسان وقضاياه الإنسانية في إطارها الواسع، الجسد أحد هذه القضايا ولكن لا تستهويني الكتابة عنه لذاته تفصيلاً وقصداً، إن جاء ضمن ثنايا النص ليخدم الغرض الفني ويغني النّص أكتبه ـ كما هو حادث في روايتي الجديدة ـ لكن ليس بحسيِّة مبتذلة.  
أجدني معنية بالكتابة التي تتأتي من انفعال الكاتب بواقعه والحراك العام، بمجتمعه وإنسانه، بتفاعله مع هذا الواقع ومماحكته له، فتأتي الكتابة عن الآخر والخارج تحقيقاً لهذا التفاعل والانفعال والتأثر، وهي غير تلك الكتابة المُغرقة في الذاتية، التي تجعل الذات الكاتبة موضوعاً للكتابة ومسرحاً لها.
الحرية، من منا لا يبحث عن الحرية ولا يطلبها ويتمناها، سواء كان كاتباً أو كاتبة أو فناناً أو عاملاً أو موظفاً أو إنساناً بسيطاً، حتى الأطفال يبحثون عن فسحة للانفلات والحرية، بل حتى الساعين للموت انتحاراً هم يبحثون عن الحرية، روح الإنسان حُرة بالأساس. "نور" في رواية (فلاش أخضر) تبحث عن الحرية من القيود الاجتماعية المفروضة عليها والتي حالت بينها وبين من تحب. جميعنا يبحث عن الحرية سواء ذاك السائر في رحلة حياة بسيطة وعادية، أو من يجسدها في منتوج أدبي أو فني إبداعي.
·       وكيف تفسرين أن الرواية الأيروتيكية هي الأكثر انتشارا في الوطن العربي، على حساب أعمال روائية تظل على الرف لأن لا احد يشتريها؟
الناسُ تحب الإثارة وتحب ما يحرك عواطفها، سواء كان ذلك إثارة جنسية أو انفعالية، انظر لعدد متابعي مباراة كرة قدم وكيف يهتاجون وينفعلون، انظر لمتابعي مباريات المصارعة والملاكمة ودون استكناه تجد مشاعرهم ظاهرة وواضحة على وجههم وحركاتهم. وقارن بين عدد هؤلاء وغيرهم وأولئك الذين يحضرون لقراءة شعرية أو ندوة فكرية. الناس تحب ما يثيرها وتبتعد عمّا يجعلها تفكر وتستبصر، تبتعد عما تظنه باعثاً على الكآبة والهم والغم، ولكنه غير كذلك بالضرورة، تريد الخفَّة والسرعة وتبتعد عن الجدية والفكر المتعمق الرّصين، هذا ما أراه بواقع انتشار الكتب الإيروتيكية، في حين تكون بقربها كتب رصينة وجادة وكُتبت بأدبية وفنية عالية، أو كتب فكرية عميقة ومتعمقة تقعى لسنوات في مكانها في الرفوف.
·       دعيني أسألك عن الكتابة النسائية في السودان، حدثينا عنها ومن هن ما يميزها عن زميلاتها الأديبات في الوطن العربي، وكيف تقرأ رانيا مأمون زملائها الكتاب في السودان بشكل خاص، وفي الوطن العربي بشكل عام؟
الكتابة النسائية في السودان تختلف عن مثيلتها في الوطن العربي، وهذا عائد إلى خصوصية السودان وتركيبته الاجتماعية والجغرافية والتباين الإثني والثقافي والعقائدي، حتى العادات تختلف من منطقة إلى أخرى، كل هذا يضيف بعداً آخر ويشكل تميزاً لما يُنتج من أدب من واقع كهذا سواء كان لكاتبات أو كتاب. في السودان كاتبات مُجيدات من مختلف الأجيال، شاعرات وروائيات وقاصات وتشكليات وفنانات، من جيلي تجد ستيلا قايتانو قاصة مُجيدة، نجلاء التوم، سارة الجاك، أميمة عبد الله، سارة فضل، ومن جيل سابق بقليل تجد إشراقة حامد، ليلى أبو العلا تكتب بالإنجليزية، بثينة خضر مكي، ومن جيل أسبق ملكة الفاضل، ملكة الدار محمد وزينب بليل وغيرهن الكثيرات والفاعلات في كل ضروب الإبداع وكل مناحي الحياة.
اقرأهم بمحبة وبحس نقدي وأرى أن فعل الكتابة في السودان بخير ولكنه يحتاج لجهد كبير ليُقرأ على مستوى واسع داخلياً وخارجياً.
 لا يمكنني أن أحكم على كل ما يكتب لأني بالطبع لم اطلع على كل ما يُكتب عربياً ولا حتى ربعه، لكن مما أقرأ هناك الجيد الرّصين وهناك غيره وهذا شيء طبيعي.
·       هذا يقودني إلى سؤالك عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري، ومن من الأسماء الأدبية (من الجنسين) التي تلفت انتباهك؟
علاقتي بالأدب الجزائري بدأت بالطبع بواسيني الأعرج، الطاهر وطار، مالك حداد قرأته في مرحلة مبكرة في (رصيف الأزهار لا يجيب)، مروراً بأحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق، وتلفتني أيضاً ياسمينة صالح والشاعرة الشابة النشطة حبيبة العلوي والعديد من القراءات لكتابٍ على الإنترنت.
·       ماذا تقرأين حاليا؟
كتاب نقدي للناقد  السوداني عبد المنعم عجب الفيا  بعنوان: (في الأدب السوداني الحديث)، وهو أحد ثلاثة كتب نقدية صدرت مؤخراً للناقد عجب الفيا هي: (في عوالم الطيب صالح)، (تي اس إليوت والأدب العربي - قراءة في التأثير والتأثر).
·       ماذا تكتبين؟
رواية جديدة أتمنى أن تنتهي قريباً.
·       كلمة لقراء مجلتنا؟
لهم التحية والتقدير ولكَ كذلك.

·       حوار مع المجلة الثقافية الجزائرية – الجزائر، 11 مايو 2011

الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

فكر وبناء الشخصية الروائية

رواية إحداثيات الإنسان
لـ محسـن خالـد
رؤية: رانيا مأمون

في هذه الرواية (الكتاب الأول) لا يقدِّم الكاتب قصة تحكي عن حيوات شخصياته، بقدر ما يتيح للقارئ أن يتعرف على فكرهم ونفسيتهم
 بل لم يوضح تفصيلياً التهمة التي جاءت بالمسجونين إلى هذا المكان ما عدا "سانتينو" اللّص و "د. بدوي خليل" قاتل زوجته، "وكمال" الذي سطا على بنك السودان، كما جاء على لسانه في آخر فصل الذي عُنون بـ " من وثائق سلامةالتداعي الأول – الرجل الأميبي" و جاء عن طريق السرد الذاتي خلافاً للفصول التي سبقته. سرد فيه "كمال" أحد أبطال الرواية والذي لم تظهر شخصيته إلا في الفصل الذي سبقه مباشرة، رغم أن اسمه ورد أكثر من مرة . أيمكن أن نعتبر أن هناك تداعي ثانِ وثالث بذات النهج، وأن الفصول الخمسة الأولى ما كانت إلا مقدمة لهذه التداعيات؟ أم أنه – الكاتب- يحقق رؤيته لكتابة الرواية كما جاء على لسان "كمال" ( الرواية منطقها الوحيد أنها رواية. ويجب أن نخرج بها من لونية الروايات التي تحدثنا عن آل فلان وبني علان. فالشخص قد أصبح بمفرده آل. كما أن سينما المؤلف همها خلق
غلاف الطبعة الأولى
 دنيا، كل إنسان فيها عاصمة لبلاد الإنسان) أهو بهذا يؤسس لخطابه الروائي خاصة وأنه قدَّم ذات الفهم في هذه الرواية، أم الإثنين معاً؟حتى رواية "كمال" لقصته جاءت من داخل وثائق "سلامة" الأخصائية النفسية، ولم تأتِ بطريقة تقليدية بأن يحكي كل منهم حكاياته لزملائه وجريرته التي انتهت به إلى السجن.لم يهتم الكاتب بتحديد الأزمنة سواء كان الزمن الروائي الذي جرت فيه أحداث الرواية، داخل المتن الروائي وبالطبع داخل السجن، أو زمن القصة الذي يخبرنا وقتها أو حقبتها الزمنية التي جرت فيها على الواقع – واقعه المتخيَل، حتى الفترة الزمنية التي قضاها "كمال" متسكعاً في أوربا لم يشر إليها أو يحددها، وإنما اكتفى بالشخصية وبُعدها الفكري، رغم أن الفترة قد تخبر القارئ مدى  تأثر "كمال" بالغرب اعتماداً على طولها أو قصرها.هل أسقط الكاتب الزمان ولم يلتفت إليه؟ ونحن نعرف أن الزمان أحد عناصر الرواية لا يتمفصل عنها؟ لم يسقطه على طول الرواية وأشار إليه دون أن يحدد مدته سنين، شهور أو أسابيع، تركه مفتوحاً وترك للقارئ الحرية في ذلك، إضافة إلى أن الرواية أصلاً لا تتحدث عن أحداث وقعت في زمان معين، وإنما تعكس مستويات فكرية لأُناس عاشوا أو يعيشون دون تحديد نقطتي بداية ونهاية زمنية.
اكتفى الكاتب بالإشارة إلي الأماكن عدا موضعين أو ثلاثة تفصيلياً، رغم لغته الوصفية الدقيقة، ولم يغفل ارتباط المكان بساكنيه مثل وصفه لغرفة "مكاشفي النوراني" إمام المسجد وخطيبه (في الفناء الخلفي لمسجد السجن تنهض غرفة "مكاشفي النوراني" كدكَّة سفينة
نوبية باهظة التاريخ. البحر يترامى أمامها وتروق له فكرة أنه بحر. وأشرعتها مطوية كهن النوبيات الختين. من تحتها أقراص الملح ومن فوقها رائحة العاصفة. فارقت ألفة المراسي وصار لها في الألم حياة. غرفة وحيدة ومحبة. لا يعتبرها صاحبها موضع قدم لمزيد من الأرض، بل خطوة نحو عالم آخر. ولهذا فقد استوحشت المدن مقبوضة الروح وباردة الإرادة. وثبتت أقدارها في هذا المكان). "مكاشفي النوراني" رجل متصوف ترك الدنيا وملذاتها وتعلَّقت نفسه بالآخرة دار البقاء. ورغم هذا له أحزانه وشجونه التي لم ندرك أسبابها رغم وجوده.- الناس يكافحون الحزن. ولكن الصوفي وحده الذي يترك حزنه للعدم. قال هذا لحمدان وقبلها كان يردد مقطع لـ " كمال":
مع الريح ألقيت دمعي
وتركت حزني للعدم       
  نلاحظ في عموم الرواية استحضار الموروث والتاريخ، خاصة في تلك النقاط التي تتحدث عن "سانتينو"، جذوره وعادات جدوده وتقاليدهم، إضافة إلى الروح الصوفية النقية التي صاحبت " مكاشفي النوراني" في غير ذي موضع، واستعمال كلمات لها صلة وطيدة بها مثل كلمة
"نافلة" في الفصول الأولى. الفضاء الروائي، فضاء فكري جدلي، يحاول الجميع التعمق فيه وتكاد تتساوى مستويات السقف الفكري الذي يظلّهم ويتجادل الكل تحته، كلٌ متكئ على بُعده الثقافي والفكري وحتى لونه السياسي، كلٌ منطلق من فكرة. فـ "سانتينو" ذاك الأفريقي مائة بالمائة الذي يستحضر في ذهنه مراراً عادات جدوده الوثنيين.
الروائي محسن خالد

 "سانتينو" اللص بنظر المجتمع والمحكمة التي قضت بأمرها، لا يعتبر نفسه لصاً لمرض في نفسه أو أن اللصوصية فيه فيروساً يجب العلاج منه واستئصال ما يساعد على انتشاره، بل يسرق "سانتينو" بدافع من تحقيق العدالة الاجتماعية التي ينادي بها هو والتي هي إحدى الدعائم التي يرتكز عليها فهمه الاشتراكي. يقول عن نفسه : - ....  سانتينو لن يتخلى عن اللصوصية حتى تشفى كل قبور الموتى من الفقراء.ويقول أيضاً مخاطباً "الفليل":-  أتعتقد هذه المهرطقة – يقصد "سلامة" الأخصائية النفسية- أننا نولد كي نتفرج على الناس وهم يعيشون؟ إن كانوا ينظرون إلينا كفائض بشر؛ فسنوظف أنفسنا في ما يعود باللعنة على الجميع .إذن، "سانتينو" مؤمن أنَّه لا يسرق لنزعة شريرة أو روح امتلاك ما عند الغير؛ إنما يسرق منطلقاً من مفهومه الاشتراكي، رغم أنه لا يتفق مع الاشتراكيين في كل حماقاتهم كما قال ..وشيطان مكة (خالد العوض) ذاك الرأسمالي تاجر المخدرات الذي وضع مبادئه على رفوف وأدراج مكاتبه، الذي كان ينال ما يريد، ويدفعه الظلم أكثر ويحثّه الطموح والشعور بالقوة على السير على جثث الضعفاء الذين يسقطهم في طريقه إلى الأعلى، لم يفعل كل ذلك إلا لأنه أراد أن يطّوع المال وأن يجعله خاضعاً له فقد كان يقول لنفسه: (إن كان المال جِنّى المدينة، فلا بُدَّ أن أجعله أحد خُدامي المطيعين أقول له : شخلاي مخلاي، فينفذ رجال القانون طلباتي كالمنومين مغنطيسياً، فيتبرع الناس بتقديم أنفسهم للقضاء بدلاً عني). (جِنّي يقصد بها جن)وهاهو الآن ينتظر حبل المشنقة، يعض أصابع الندم وتتآكله الحسرة على نفسه. ورغم أنه كان يعي تماماً ما يفعله من تجاوز ديني وأخلاقي واجتماعي إلا أنه كان مستمراً في فعله – كنت أختبئ من ظلامة في ظلامة .. وأينما أخفيت رأسي سقطت عليه دعوة مظلوم. أنقذني يا رب وسأسجد لك على الجمر .و "بشرى محمود" السجين السياسي والشاعر الذي أُدخل هذا المكان لأنه اكتشف أن ما كان يفعله أكبر خطأ، وهو اشتراكه في حرب جنوب السودان، وسيره على خطى السُلطة:يقول بأسى:-  ما هو محتمل أن تندم على فقد حبيبة أو ارتكاب خطأ، أما أن تندم على حرب فهذا ندم بالغ التعقيد.متى يندم الإنسان على خوض حرب؟ جميعنا يعرف أن خوض الحروب هي مفخرة لكل مشارك فيها، ولكن عند "بشرى" تحولت إلى ندم عندما اكتشف عبثية ما يقوم به وبعده عن المنطقية. اكتشافه هذا جعله يتحول من (مع) إلى (ضد) ولهذا هو هنا.يؤمِّن " بشرى" على تمني مكاشفي لو أنهم فهموا أسباب خوض الحرب ودواعيها.–  ليت الاستعمار يعود من جديد، لنحاربه فتضمن لنا حربنا معه شيئاً يفهمه هو على الأقل. أو على أسوأ الفروض لكي نموت بطريقة يحترمها الأحفاد ولنعرف مع من ندفن.
إذن، كان اكتشافه ذاك تحولاً غيّر مسار حياته.ومن الشخصيات أيضاً شخصية "الفليل" هذا الكائن الشهواني الذي يحصر وجوده في الحياة من أجل الجنس فقط فهو (رجل متوزِّع بين مجرى للدم ومجرى للشهوة) ويرى أن الكون خلق من أجل المرأة ومنهزماً أمامها، الرجل الذي يريد (أن يبدأ الحياة من حيث لا تنتهي بالموت)، ما هي هذه الحياة التي لا تنتهي بالموت، أهي الجنس، الشهوة، المتعة؟أمّا "د. بدوي خليل"  قاتل زوجته والذي تآكلته الغيرة إلى أن أودت به إلى لائحة المنتظرين حبل المشنقة وهو الآن في استسلام تام لمصيره المنتظر (الموت أرخص من خوفنا منه)وعبارته التالية توضح رؤيته للحياة وتكشف بؤس حياته التي عاشها (والحياة في الأصل هي إعدادي موت، تدخل ثانويته وجامعته لتتخرّج كمُتوفَّى معه شهادات)
الحوارات اتّسمت بالجدلية حيث ينهض كل صاحب فكرة ليدافع عن أفكاره وطريقته التي اختارها للعيش، ويتبارى الكل في إطلاق عبارات وأحكام تحدّث القارئ أن يتبناها، ورغم اختلاف المتحاورين إلا أننا نلمس تقارباً ثقافياً بينهم، عدا شخصية المأمور الممثل للسُلطة داخل السجن والتي ظهرت واهية مثل خيط العنكبوت وتكاد تكون بغيضة.
ركَّز الكاتب على بناء شخصياته النفسي وصوّرها ببراعة، فنحن نرى ما يعتمل في الصعيد الجُوّاني ونلمس أمراض النفس التي هي السمة
غلاف الطبعة الثانية 2006
التي يشترك فيها معظم المساجين، فإن التداعي الأوّل (الرجل الأميبي) جاء من داخل وثائق الأخصائية النفسية، ولأنه أوّل فلا بُدّ أن يعقبه ثانِ وهو (الرجل الكلورفيل)- شخصية الفليل المنشور كفصل من الكتاب الثاني، وما يتلوه من تداعيات الشخصيات المريضة.في التداعي الأوّل تبرز لنا شخصية "كمال" الذي يمارس الضياع، ذاك الشاعر الذي لم يعد يؤمن بشيء فترك جامعته وطار إلى أوربا جابها وتشرَّد فيها وتاه حتى عن نفسه. نشخصّها فنجدها شخصية تعاني اللامعنى والفشل والضياع، يقول عن نفسه: (أنا فقط شخص فاشل في كل شيء).كمال لا يؤمن بشيء، حتى الشعر يؤمن بها أحياناً فقط، فالإيمان عنده إعجاب لحظي ولفترة محدودة (إنّ فكرة الإيمان عندي لا تزيد على كونها فكرة إعجاب بشيء ما لفترة من الزمن) وإذا كان الشخص لا يؤمن بأي شيء فهو حتماً لن يتبنى أية قضية أو موقفاً في الحياة ( لا أدري كيف أخلق لي موقفاً ثابتاً تجاه قضية معيّنة).و"سانتينو" رجل مريض بالحقد، رغم قضاياه التي يؤمن بها ورغم افتخاره العظيم بافريقيا فإن فقره دفعه للحقد على البرجوازيين والرأسماليين (لقد صرنا مقَسّمين بين رجل الحقد في أعماقه كالصدأ، يحقد ويتآكل من جراء حقده، حتى يتكوم الحقد والتراب بدلاً عنه.. وبين رجل مريض يؤمن بأن متعة الإحباط في الدنيا تفوق متعة تفاهاتنا التي نسميها لحظات السعادة والسلام).و"الفليل" ( التداعي الثاني، الرجل الكلورفيل) مهووس بالجنس وحياة المتعة، الذي (خرج لأحلامه بالأرض التي يتوفَّر فيها الجنس لدرجة الموت بتخمته)."د. بدوي" رجل مريض بالكره والأنانية، بل ينادي بالكره ويجعله شرطاً للتحرر من العذاب (لا بُدّ أن نكره لنتحرر من العذاب)، ويبرر كرهه هذا بـ (أنا أكره لأنني أريد كل الحب)، ولأنه أراد حب زوجته قلتها! والآن في مواجهته حبل المشنقة، وهل يحصد الكره غير الكره؟أمّا شيطان مكة تاجر المخدرات فهو مريض بالجشع والطمع وغياب الفضيلة (المبادئ كنت أضعها في رفوف التواليت مع أوراق النظافة وقطن عشيقاتي). رجلٌ لو أعفي من حكم الإعدام لعاد إلى سيرته الأولى ولجمع الأموال بكل الطرق وسار في ذيل إغواء الحياة.كلٌ من هذه الشخصيات تعاني مرضاً عدا "بشرى محمود" السجين السياسي المحبوب من الجميع المؤمن بأن (الحرية إرادة وفعل تجاه الأقدار وسقف المصير الخارجي)، و"مكاشفي النوراني" الصوفي الزاهد المُهاب والمحترم والذي يدعو إلى الإيمان العميق والصادق ينصح "سانتينو": (إنْ كنت تريد راحة البال فابحث عن الإيمان يا سانتينو ... مجيء الإنسان لهذه الدنيا كان مرحلة لا بُدّ منها لتنفيذ حكمة مقصودة بتدبير ودِقَّة لا ريب فيهما. فكل ما هو دنيوي خُلِق كأخلاط وتُركت تنقيته لعامل خارج هذه الأخلاط.. لشيء يشبه عقل الإنسان. والإنسان نفسه خُلِق كأخلاط وتُركت تنقيته لعامل خارج هذه الأخلاط.. لشيء يشبه الإيمان).  هاتان هما الشخصيتان السويتان بين شخصيات الرواية، إذا استثنينا موظفي السجن (المأمور، الأخصائية النفسية، السنجك موظف الشؤون الاجتماعية،حمدان الطباخ.) يمكننا أن نخمِّن سبب هذه الصحة النفسية التي تتمتعان بها، إذا عرفنا القيم الجميلة والنبيلة التي تحملها وتؤمن بها كلٌ منهما. فبشرى يؤمن بحب الوطن وضرورة الارتباط به والولاء له، ومكاشفي يدعو إلى الإيمان الحقّ وتغذية الروح قبل البدن.هل أراد الكاتب بهذين النموذجين أن يقول: هذا ما يجب أن يكون عليه البشر؟ بالرجوع إلى الشخصيات والمقارنة بينها يمكن معرفة الإجابة.قبل الخروج سنعرج على العنوان (إحداثيات الإنسان) - الإحداثي السيني والصادي- هذان الخطّان اللذان يحتويان منحنى حياة الإنسان، المنحنى الذي يصل إلى أعلى نقطة فيه - التي يختلف علّوها من شخص إلى آخر –  تكون عندها قمة حياة الإنسان، ومهما استغرق الخط فيها من زمن، مهما طال ثبات الخط عندها فإن مصيره إلى الانحدار الذي تختلف سرعته أيضاً من حياة إلى أخرى. يبدأ المنحنى من الصفر، يصعد، ثم إلى الصفر يعود. يخرج الإنسان من ظلام الرحم إلى ظلام أو نور الحياة، ثم ينتهي، من الصمت إلى الصخب إلى الصمت. من تجويف الرّحم إلى تجويف القبر، من صرخة الميلاد إلى شهقة الموت، أنت من يحدد ما تحمله عربة الحياة في هذه الرحلة، فإما أن تكون مليئة بالقيم والأهداف والفضائل (بشرى ومكاشفي) أو بلامعنى وفارغة ومجوَّفة (مثل حياة كمال)، أو محتشدة بأمراض النفس والخطايا وارتكاب الجرائم (د. بدوي، الفليل، شيطان مكة). إنها رحلة الحياة التي تبدأ من الصفر وإلى الصفر تعود قبل البعث.إحداثيات الإنسان رواية فكرية نفسية أخلاقية لها محمولها الخاص وشفرتها الخاصة، تجلَّى فيها الكاتب في رسم شخصياته وتنوعها وإغنائها.
وأنا الآن أكبر كل يوم ولا أتقدّم نحو شيء، تماماً كما قال صديقي "كمال":
تُحلِّق فوقي النسور
وأنا أهربُ
من جثتي إلى جثتي

يوليو 2003