الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

نكهة الزنجبيل - مقطع روائي



يا حبيبي

ذي أنا أمسك باليراع لأخُط لك، أنا التي لم أفعلها عندما كنت تشهق وتزفر..
كنتَ تسألني:
- لمَ لا تردين على خطاباتي كتابةً؟
كنتُ أجيبك:
- لم تكن اللغة صديقتي يوماً؛ لذا أخاف أن تخذلني معك ولا تعطيني ما أريد.
وكنت عندما أحاول أن أخترق الحاجز المنتصب بيني وبينها، وأتجرأ عليها تتساقط الكلمات من ذاكرتي كلمة.. كلمة.. كل الكلمات التي أعرف تهرب مني وأبدأ ألهث لألحق بها، ليخرُج ما كتبته لك مجرد تأتأة على الورق أحاول وصلها فلا تتصل.
كنتُ أستصعب الكتابة، أُهزم دائماً أمامها، وأجدها فعلاً لا يسعني القيام به، وأسأل بجهل كبير أيّ عبءٍ كان ملقىً على عاتق “نساباإلهة الكتابة عند السومريين في الأسطورة السومرية؟
وكانت طريقتي الغريبة في الرَّد على ما تخاطبني به، وتعبِّر لي عنه كتابةً، تدهشك وتثير عجبك وإعجابك في ذات الوقت، فتقول وأنت تحدّق في الصورة: يا لجنونكِ وجبروت كاميرتك!
كنت عندما تكتبني بحب كبير وأخاف أنا من قدرتي على تطويع عصيّ الكلمات؛ تظل عيني وكاميرتي تدوران في كل اتجاه، ويظل حسّي يدور بين جنبات نفسي، إلى أن أقتنص لحظة تظل خالدة ما لم يَطَلْها التمزيق، وتاه عنها عود ثقاب، فأهديك صورة بجمال كبير يوازي حبك المسكوب على أوراقك الملونة البهيّة.
أقول لك:
- كل ما عجزت عن قوله بالكلمات تمكنت من صياغته هنا، وإن كانت الكتابة ورق وقلم وحس، ففي صوري أيضاً تتشارك كاميرتي وعيني وحسي. وإن كانت الكتابة قدرة إنشائية وبلاغية؛ فالصورة قدرة استكشافية وجمالية وانتزاعية، أنزع بها المشهد وأخطفه من بين آلاف المشاهد. وإن كنا نعبّر بالبلاغة عن الجمال، فإن الصورة تدَلِّل عليه.
وإن قلت لي: إننا نحدُّ بهذا الخيال ونسوّره بصورة. أقول لك: التقاط المشهد والتمعن فيه وربما صنعه ووضع تصوره لا يخلو من الخيال.
وكنتُ أجد فعلاً تطابقاً مذهلاً بين إحساسي وبين بعض الصور. لم تكن كل الصور تقولني بصدق وعمق؛ لذا أختار أكثرها صدقاً وأقدرها على البوح لك. وتكون الصورة التي يختلف ما بداخل إطارها ترجمان لحسّي.
كثرت الأوراق بيننا وكثرت الصور، سألتني جَذِعاً ذات يوم عندما أهديتك مجموعة كبيرة:
- أين أضع كل هذه الصور؟
قلت لك:
- تماماً حيث أضع أنا أوراقك.
ثم سألتك بخبث:
- ألا تعرف أين أضعها؟
ضحكت وأنت تمسك بإحداها وقلت:
- أعرف.. أعرف.
أذكرُ تلك الصورة التي أريتك إياها في آخر زيارة لك لودمدني. كان داخل إطارها قُمرية فاردة جناحيها موشكة على التحليق.
أخبرتك أن هذه القُمرية تداوم على زيارتنا في وقت الظهيرة، عندما تبدأ أمي في تحضير القهوة ببرنامجها المحبب وبخور تيمانها، وتعرف أنت خصوصية شرب القهوة وطقوسها في بلادي. فالسودانيون لا يستطعمون البن الجاهز في العلب ولا قهوة البوتجازات، تلك الفاقدة لنكهتها، لأن البن إما أن يحترق بشعلة الغاز، أو يحرمها غليان الماء – لذات السبب – نكهة الزنجبيل ورائحة الهبهان أو القرنفل؛ فغليان الماء السريع كما تقول أمي – لا يعطي الزنجبيل وقتاً للتنفس وزفر رائحته في عظم الماء.
ورائحة تحميص البن على موقد الفحم أو (القلية) هي مزاج في حدِّ ذاتها وكيفٌ من نوع آخر، فهذه (القلية) التي تشم رائحتها من أول الشارع أو حتى قبله تدخل من الأنف لتصعد إلى الدماغ مباشرة، البعض يكتفي بها خاصة النساء، وتزعم جارة أمي أن القهوة (قلية)، وإذا تأخرت لسبب ما ولم تحضرها أو تتخلل رائحة البن خلايا دماغها، تحلف أنها لن تشرب ماء البن، ويكون حينها لزاماً على أمي أن تحمص لها بناً من جديد وتمد لها (الطوة) لتتنشقه ملء رئتيها، كما تجدد الجمرات في المبخر لينطلق ويتحرر منه بخور التيمان بكل عنفوانه وكثافته.

وفي هذا المناخ كانت القمرية تحط على المظلة التي يقع عليها جزء كبير من ظل شجرة النيم الشامخة في قعر بيتنا من الخارج، نحتسي فيها القهوة وتقضي أمي كل الظهيرة في ظلها، وتقول إنها أكثر راحة وبراح من الغرف المغلقة التي يدور هواؤها حول نفسه.
كانت أمي تقول لي: إن البُن هو ما يدعوها؛ لذا تحط على المظلة بشكواها تابعة رائحة البُن.
أخبرتك أن هذه الصورة أخذت مني أسبوعاً إلى أن استطعت أخذها كما ترى. كان يشارك القُمرية في الظهور داخل الإطار بعض أغصان شجرة النيم في الزاوية العليا، وجزء من سقف المظلة الذي تَهِمُّ القُمرية على مغادرته، وفي جزء أكبر من مساحة الأغصان والحصير كانت تظهر السماء بلون أزرق ملكي كأنها ملتحمة بالكل.
كلفتني هذه الصورة عدداً كبيراً من اللقطات إضافة إلى الأيام، فيوماً لا أحسن التوقيت؛ فألتقط صوراً قبل أن تحلق أو بعده.. ويوماً تحتل أغصان النيم الجزء الأكبر من حجم الصورة.. ويوماً يسرق الحصير في سقف المظلة الضوء من القمُرية، ويُنَحِّيها جانباً فيبدو كأنه هو المراد ظهوره وليس هي.
رابطتُ في ذلك اليوم تحت الشمس مثل الجنود في الثغور، يديّ وعيني على الكاميرا لا ينقصني سوى ضغط الزر. وأخيراً تمكنت من التقاطها كما أردت.
أذكر إعجابك الكبير بها، وقراءتك العميقة لها.. قلت لي وعينك لم تشبع منها:
- هذه الصورة ليست مجرد قُمرية في لحظتها الأولى من التحليق، هذه الصورة تجسِّد لي التحرر والانطلاق.
لقد كانت متحررة من كل قيد في لحظتها تلك، حتى عين المراقب المرابط في مجال النظر لديها وفي يده آلة، الذي هو أنتِ. فردتْ جناحيها حالما أرادت ذلك دون أن يعوقها شيء، ودون أن تضع حسبان لهذه العين التي تراقبها وتريد أن تحبس لحظاتها في إطار.
إرادتها في الانطلاق والتحليق تعاظمت على كل شيء آخر، لذا هي فاردة جناحيها هامّة بالطيران.
أتعرفين تصلح هذه الصورة كشعار لمناسباتنا الوطنية، بدلاً عن السيف والكلاشنكوف في بعضها.
قلت لك:
- رغم كل ما قلته عنها فهي تعيش مأساة!
وعندما رأيتُ الدهشة على عينيك، قصصتُ لك القصة التي روتها لي أمي عندما حطت القُمرية على المظلة وبدأت في الحداء. وكانت تلك القصة البسيطة هي ما دعاني لأفعل ما فعلت، قالت لي:
- القُمرية دي عمرها ما تفتر من الشكية
- تشكي منو؟
- تشكي نسيبها.. أسمعيها بتقول في شنو.
تظل أمي تردد نصّ الشكوى كل يوم، وهي تدعوني لأسمعها جيداً.
تقول أمي: إن القُمرية لا تغرد، بل تتحدث إلى الناس عن نسيبها البخيل الذي يمنعها من الأكل. وما إن تحُط حتى تبدأ في الإخبار:
نسيبي فسل
 بقتلني قتل..
بحميني الأكل.
ضحكت أنت وقلت لي:
- يا لهؤلاء النساء! يستطعن إيجاد قافية لكل نغم.

مقطع من رواية (فلاش أخضر) الصادرة 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق