الخميس، 23 مايو، 2013

رانيا مأمون تلتقط بـ«فلاش أخضر» صورة جديدة للمجتمع السوداني

هل يصلح الشباب ما أفسدته الموروثات العنصرية؟

الخرطوم: شذى مصطفى 


رانيا مأمون من الكاتبات اللواتي ظهرن في التسعينات، ونجحت في وضع بصمتها المميزة وإضافتها الجريئة على المشهد الأدبي. نشرت لها قصص ومقالات فى الصحف والدوريات وبعض المواقع العربية على الإنترنت. وأول عمل روائي لها، أبصر النور أخيرا، تحت عنوان «فلاش أخضر» عن «الدار العالمية للنشر». ورواية رانيا مأمون كما الجيل الجديد من الروائيين تحمل همّ الغربة والحنين الى الوطن بعد أن تشتت الملايين من السودانيين فى كل البلاد، هاربين من الحروب والتسلط بأنواعه المختلفة. إلا أن الأمل في العودة يدغدغهم عند أول خطوة خارج بلادهم، راضين عن كل الصعوبات التي تصغر وتضمحل أمام جفاء الغربة وقسوتها، حالمين بوطن جديد تبنيه عزائم غضة طرية تزيح عن كاهله كل ما توارثوه من أخطاء الكبار!
«نور» بطلة الرواية تعيش في لندن «مدينة السودانيين المحببة»، بجسدها فقط، وفكرها وتأملها يعود الى الماضي وكل ما حولها يشدها الى الوراء، فأمطار لندن تذكرها بـ«دعاش» الخريف بمدينتها الذي له رائحة منعشة، وصقيعها يذكرها بطفولتها وثلج مدينتها الهش الذي يذوب ما أن يلامس أفواههم الصغيرة، وحتى كوب الشاي يعود بها الى شاي أمها.. وهكذا هي على دولاب يسير دائما للوراء. فحبها الوحيد يعيش بين أصابعها في خاتم صغير، وبين أوراقها في رسائل، ووطنها تعثر عليه على الإنترنت وهي تفتش عن أصحابها القدامى يمدون أيديهم محيّين لها من بعد..
لا تستطرد الكاتبة في سرد ملامح بطلتها «نور» المشغولة عن رؤية الذات برؤية الغير، فذكرياتها ايضا، تعود الى مصر حيث تلقت دراستها الجامعية، وفيها تحررت من كل القيود وبدأت تكتشف هي بنفسها ومن البداية «الآخر» بعيدا عن تأثير الموروثات الاجتماعية التي ولدت حروبا ونزاعات ما زالت معاناتها حتى اليوم دون محاولة للسؤال: لماذا؟ ففي مصر تتعرف على زميلها الجنوبي «دينق»، وهو «الآخر» الذي لم تحاول الاقتراب منه في بلدها، وتكتشف أنه شخص شهم، طيب القلب يتفوق بذكائه على زملائه في الدراسة، ويعاني هو أيضا من مأساته الخاصة حيث شردته الحرب عن والديه وإخوته ليتربى في كنف سياسي جنوبي ثري يعيش في الخرطوم.
تتعرف «نور» على «أحمد» أيضاً، وهو حبها الأول الذي يحتل كل جوارحها.. تفصل «نور» عن «دينق» اللغة والدين والثقافة، ولذا تتساءل في بداية معرفتها به، هل كلهم مثله يتمتعون بهذا الخلق الطيب؟ لماذا لم نقترب منهم لنعرفهم؟ أما «أحمد» فتسرد «نور» ذكرياتها عن حبها له، فهو يشاركنا فى اللغة والدين والثقافة بل والمكان وكل مناحي الحياة إلا أن جذوره تعود الى قبيلة «الفور» غرب السودان، لذا يعارض أهلها الزواج به بعد أن تعلمنا «نور» بأصوله العرقية في منتصف الرواية، أمر يشعل الموروثات «العنصرية» التي لا مبرر لها، إضافة إلى شعور مضلل من طرف على آخر بالتفوق والتميز العرقي رغم أنه يشاركه في سواد البشرة!
وهذا التساؤل الذي تتطرق له الكاتبة رانيا مأمون يعد من المسكوت عنه في المجتمع السوداني ويكاد يتناول بتحفظ بين المثقفين والأدباء، فهي تفرقة عنصرية تمارس خفية إلا أنها تفضح مجتمعا مزدوج المعايير. ورانيا مأمون بجرأتها تلك تفتح بابا واسعا يدخل منه النقاش بدون وجل.
تحتد نقاشات الندوات السياسية الجامعية بين الطلاب و«دينق»، فهم لم تتفتح عقولهم مثل «نور» للتساؤل ويستمرون في غيهم الموروث، فيصمون «دينق» مرة بالخائن، وهو ما جعله ينفث غضبه بضرب زميل له ويصرح أمام «نور» أن مثل تلك النقاشات هي ما تدفع به وبأبناء جنسه الى «الغابة» أي التمرد المسلح الذي أشعل الحرب الأهلية بالسودان لعقدين من الزمان!.. وزميلة «نور» في المسكن تجيبها برفض أهلها بالزواج بمثل حبيبها «أحمد» لأنه من غرب السودان.
يرحل «أحمد» عن الحياة بسبب مرض صدري جراء التعذيب في السجون السياسية، فهو يحمل عبء النهوض بمجتمعه مخلفا وراءه جرحا عميقا في قلب «نور» ونذرا منها بألا تقترن بغيره مدى الحياة وصورا تعمق مشاعر الحب والحزن معا، وأوراقا سطر «أحمد» فيها أثناء سجنه كل تطلعاته وأحلامه في العيش الكريم للشعب الذي يعشقه رغم النظرة المتعالية عليه، وكتابات «أحمد» التي تقرأ لنا «نور» بعضا منها شبيهة بأفكار «النبي» لجبران، التي توقظ الروح من سباتها وتناقشها وتنهض بها من ركام الخمول والركون الى الموروث وتحثها على التطلع للخير والجمال. فأحمد رفض الانتماء الحزبي. ويرى أن الإصلاح الاجتماعي يبدأ من الفرد، ولذا يخاطبه عبر كتاباته. و«نور» تؤمن بالكتابة كوسيلة ناجعة للتغيير.
يهاجر «دينق» الى أميركا للعمل، وتسافر «نور» للندن لمواصلة الدراسة، ويبقى «أحمد» صديقهما الذي رحل مبكرا عن الحياة معهما الاثنين في كل حديث ولقاء، وعبر الإنترنت تعثر نور على صديق وجار آخر «عماد» والذي يبدي رغبته في الزواج منها بعد حب دفين لها. ترى «نور» أن الزواج به خيانة «لأحمد» إلا أن الأنثي داخلها بتردد توافق!..
يتفق دينق ونور معا على العودة الى الوطن للمشاركة في نشر كتابات صديقهما «أحمد» بدار نشر يشتركان في تأسيسها، فهما يشعران بمسؤولية ما حمله إليها «أحمد»، فوصايا الموتى لها قدسية عند الأحياء! ودينق ينوي بعدها الذهاب الى الجنوب، فهو يرى ألا خير فيه إن لم يكفر عن خطيئته الأولى بخدمة أبناء إقليمه الجنوبي الذين هم في أمس الحاجة إليه.
«فلاش أخضر» وبطلتها «نور» تمثل صورة مصغرة مضيئة لجيل الشباب الحالي الذي كبر ليجد حربا طلب منه أن يشارك فيها بدون أن يُسأل لماذا؟ وموروثات وتقاليد عززت من الانشقاقات داخل الوطن، وهجرة لجأ إليها الشباب بعد يأسهم من الإصلاح الموعود من الكبار الذين يفتقدون الحكمة، ودينق ونور بمشروعهما المشترك يمثلان حلم التقاء بين الجنوب والشمال للسلام، طواعية بدون شروط ودون قوات دولية لحفظه!

عن الشرق الأوسط، 2 اغسطس 2006
http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=9896&article=375982#.UZ3RVdg-258 

الأربعاء، 22 مايو، 2013

خيال جامح ونبض إنساني يسري بين السطور




وجدي الأهدل*
أتيحت لي الفرصة لزيارة السودان في عام 2005 بمناسبة «الخرطوم عاصمة الثقافة العربية». وكما يحدث عادة في هكذا حالات، فقد استُضفنا في فندق فخم، وكنا نتنقل في باصات مريحة ومكيفة، وذهبنا إلى أماكن محددة، وبعد أسبوع من الإقامة المرفهة عدت إلى بلدي. وكنت أظنني بهذه الزيارة الخاطفة قد عرفت هذا البلد العربي الكبير. إلا أن قراءة قصص الكاتبة السودانية رانيا مأمون «13 شهراً من إشراق الشمس»(1) بددت هذه الفكرة الساذجة، إذ نقلتني إلى الحياة اليومية للشعب السوداني، وخاضت بي طولاً وعرضاً في البيوت والشوارع، وسارت بي عميقاً في نفوس رجال السودان ونسائه. ولاشك هذه ميزة الأدب الجيد الذي يخلصك من النظرة المسطحة الباردة، وينفذ بك إلى جوهر الإنسان وتضاريسه الروحية.
يتكون الكتاب من عشرة قصص، في معظمها ملمح إنساني بيّن، وتعاطف حقيقي نابع من القلب مع الشخصيات التي كتبت عنها الكاتبة، وتصوير مؤثر للأوضاع المعيشية والاجتماعية الصعبة التي ترزح تحت ثقلها هاته الشخصيات التي لا نملك إلا أن نشاركها وجدانياً في مآسيها، ونشعر ونحن نقرأ أقدارها بأن المحبة التي تكنها الكاتبة لشخصياتها قد انتقلت إلينا، وهو ما يعمق وعينا ويفتح أعيننا على مقدار الشقاء الذي تضطرب فيه الطبقات المسحوقة. الكتابة عن المهمشين بسبب مرتبتهم الاجتماعية أو تطرف نفسياتهم «المختلين» ليست بالأمر السهل البتة، وقد لاحظت أن عدداً من الأدباء قد جرى عندهم هذا الأمر مجرى «الموضة» فراحوا يكتبون عن المشردين والمجانين كتابات مصطنعة، درجة حرارتها تحت الصفر، وفيها تكلف يثير الضيق، وتقدم رؤية خارجية كريهة، تشبه عالماً في مختبر يتأمل من خلال عدسات المجهر زغب صرصور ميت. بالنسبة للكاتبة (رانيا مأمون) لا نلحظ هذا التعالي اللّا واعي المقيت، بل هي تقوم بعملها دون ازدراء أو اشمئزاز، وتتقمص نفسيات من تكتب عنهم وكأنها جزء منهم، وتتفاعل مع أتراحهم، وتتفهم نوازعهم ودوافع أفعالهم. تتكلم قصة «امرأة تتوسد صرتها» عن عجوز متشردة تنام لصق جدار الجامع، لا أحد يعرف حقاً من هي، ولكن الناس مجمعون على أنها مجنونة. تركز الكاتبة على الجوانب الإنسانية في حياة هذه المرأة ووصف عالمها الخاص مهما بدا ضئيلاً ومكشوفاً للعيون. إن إحدى أكبر خطايا البشر التي لا يحسون بها عندما يقترفونها هي استسهالهم لإطلاق أحكام خفيفة ومتعجلة على أي شخص يصدر عنه سلوك ما مخالف لما درج عليه المجتمع واعتاد.

تصف الكاتبة العجوز وموضعها وصفاً صادقاً لا يخلو من عذوبة:
«في قربي منها ألحظها طويلة الوجه، غائرة العينين، سوداء، مُشلخة رأسياً، خفيفة شعر الرأس ربما تساقط مع سنين العمر. دوماً نظيفة، لا رائحة منفرة تفوح منها، تلمع غالباً من الزيت الذي تدهن به ساقيها ويديها، رأيتها عدة مرات تدهن نفسها، ورآها آخرون وهي تغسل ملابسها في حنفية الجامع، وتنشرها في زريبة ناس «حسنية» من الداخل والخارج، وهي مساحة أمام البيت تقابل الباب الشرقي للجامع، مسورة ومغطاة بشوالات الخيش والبلاستيك بغرض التوسعة، وبها شجيرتا نيم فقيرتان لا تنشران سوى باهت الظل تحتهما. تغير مكان إقامتها حسب حركة الشمس، في الصباح جهة السور الشمالي، حيث ظل النيم الكثيف، وفي العصر أسفل السور الشرقي حيث ظل النيم أيضاً وظل الأبنية الزاحف حثيثاً إليها. ليلاً قد تتكور هناك أو قد تختفي دون أن يعلم أحد أين، يخمن البعض أنها تنام داخل الجامع، والبعض في الزريبة المقابلة، وتختبئ كالكل أثناء المطر، وتظهر بعده مباشرة كقوس قزح»(2).
وواحدة من أفضل قصص المجموعة والتي ترتقي إلى مصاف الأدب الإنساني العظيم هي قصة «خطى تائهة» التي تتحدث عن صبية مصابة بمرض السكر، والدها متوفى، وأمها تعاني من صدمة عصبية جعلتها غير قادرة على إدراك ما يدور حولها، فإذا هي تعول نفسها بالتسول ومنح جسدها الهزيل مقابل كسرة خبز. في إحدى الليالي تسمع صوت غناء فتدرك أن هناك عرساً في الحي، تفكر بالذهاب لتأكل، في أثناء سيرها تداهمها نوبة سكر وتسقط على الأرض عاجزة عن الحركة، تسند نفسها بصعوبة إلى أحد الجدران لكي لا تدهسها سيارة عابرة، يمر موكب العرس بجوارها ولا ينتبه أحد لحالتها. كلاب الحي تتجمع وتشكل حولها قوساً. وهي بين الحياة والموت تسمع هرير الكلاب وتبدأ بفهم لغتها.. تغيب الكلاب برهة ثم ترجع وفي أفواهها بقايا مأدبة العرس من اللحوم، تأخذ منها قطع اللحم وتستعيد نفسها من قبضة الموت. ومن القصص الجميلة التي برعت الكاتبة في نسجها قصة «أبواب» وهي عن المواطن السوداني «عمر أحمد» صاحب العائلة الكثيرة العدد والعاطل عن العمل الذي وجد أخيراً وظيفة تستره وتوفر له ولأسرته حياة كريمة، وعندما ذهب في الصباح لاستلام عمله إذا به يُفاجأ بأن ثمة تغييراً قد حصل، وأن الوظيفة قد طارت إلى شخص آخر، يحاول مقابلة المدير ولكنهم لا يسمحون له بالدخول، فينهار سقف العالم على رأسه ويخر باكياً. وهذه قصة واقعية تكشف تفشي المحسوبية والفساد الإداري في الدوائر الحكومية. في قصة «أنصال في طين الروح» وهي عن أم تسعى إلى إنقاذ ابنها المصاب بفشل كلوي، نلمس اتجاهاً تجريبياً في الكتابة، فالأحداث مروية بطريقة كتابة السيناريو، والنص يتم تقطيعه إلى اثنتي عشرة لقطة، وكأننا نشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً يضم في ثناياه حياة كاملة.
الحديث عن الحبكة في قصص (رانيا مأمون) يحتاج إلى كثير من الانتباه، ولاشك أن لكل كاتب أو كاتبة مفهومه الخاص عن الحبكة.. وفي تقديري أن (رانيا مأمون) تستخدم في نصوصها القصصية حبكة مرهفة، ذكية، تحتاج إلى قارئ متمرس للأدب ليدرك خفاياها وامتداداتها داخل القصة، وسأكتفي بضرب مثالين: الحبكة الأولى نجدها في قصة «مدن ومدن أخرى» وفيها سرد لرحلة فتاة من مدينتها مدني إلى الخرطوم، وظهور شخص في الباص مبتذل يتكلف التخاطب مع السائق والآخرين بلهجات غريبة عن البيئة المحلية ـ خليجية وشامية ومصرية ـ مما يثير انزعاج الفتاة بنفس المقدار الذي تثيره ذبابة لا تكف عن الالتصاق بوجهها فتشعر برغبة ماحقة في سحقها. والحبكة الثانية نجدها في قصة «أبواب» حيث يعاني «عمر أحمد» الذي سبق لنا أن ذكرناه، من مشكلة مع الأبواب، فهو عندما يريد دخول الحمام في بيته يحمل قطعة زنك لسد فتحة الحمام وستر نفسه، وعندما يريد الخروج من بيته فإنه يجد صعوبة في فتحه بسلاسة، وهو باب من ضلفتين إحداهما أقصر من الأخرى فلا يملك سوى الصراخ على ابنه: «يا محمد مية مرة قلت ليكم ما تقفلوا الباب الملعون دا شديد كدا.. أهو رزعة الباب دي خلتو يبقى كدا»(3) وتتفاقم مشكلته مع الأبواب عندما يصل إلى الدائرة الحكومية فيجد أن وظيفته الموعود بها قد ذهبت إلى شخص آخر، فيحاول الاحتجاج لدى سيادة المدير، ولكنه يصطدم ببابه المغلق. وفي معظم القصص الأخرى نجد هذا الشكل من الحبكات البديعة المضفورة بدقة.
تمتلك (رانيا مأمون) لغة قصصية مصقولة، ونسيجها السردي مُصفى لا تعكره تلك الزوائد اللفظية التي تغري الكثيرين بالاسترسال وإثقال النص بالترهات تحت مبرر ما يسمى بجماليات اللغة الشعرية. ما هو مهم أن تؤدي اللغة أغراضها الجمالية بحسب الحاجة العضوية للنص دون زيادة أو نقصان، وأي تزيد لا حاجة له سيربك النص ويؤذيه. وفي قصة «13 شهراً من إشراق الشمس» التي تحكي عن قصة حب رقيقة بين شابة سودانية وفتى إثيوبي، نجد الكاتبة قد بلغت الذروة في إحكام سيطرتها على اللغة، حيث يتدفق السرد بسلاسة، وتنهمر الحوارات رشيقة شفافة. وتبقى الإشارة إلى أن الكاتبة استخدمت العامية السودانية في الحوارات ما أضفى على نصوصها القصصية حيوية فائقة وبصمة واقعية تحسب لها.
حين نقيم القصص العشر، سنجد أن أفضلها هي تلك التي احتوت على شخصيات، وكلما كانت هذه الشخصيات نامية ومتباينة كلما أحرزت القصة نجاحاً أكبر. وهو الأمر الذي لاحظناه في القصص التي أوردنا نبذاً عنها، وهي تحديداً التي أثارت اهتمامنا أكثر من القصص الأخريات.
مرة واحدة فقط تخرج الكاتبة عن أسلوبها في كتابة القصة الواقعية، وتغامر بكتابة قصة سيكولوجية «حواف» التي تتحدث عن امرأة تعاني من تدهور نفسي بسبب تعثر زواجها، فتتخيل أن لها صديقة تتكلم معها وتصاحبها.. ربما كان لقصص التحليل النفسي رواجاً في الماضي، وأما الآن فيبدو لي أن الأدب قد اتخذ مسارات أخرى مختلفة.
إن أجمل إنجاز تمكنت رانيا مأمون من تحقيقه في قصصها هو الإمساك بالواقع السوداني الأصيل بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات بلغة رشيقة عذبة، وسرد فني محترف يوقظ في أرواحنا مشاعر البهجة والشغف.

هوامش:
(1) 13 شهراً من إشراق الشمس: رانيا مأمون، قصص، دار أزمنة، عمان، 2009.
(2) المصدر نفسه، ص 46- 47.
(3) المصدر نفسه، ص 40.
*روائي يمني

الخميس، 16 مايو، 2013

ثلاث سعفات نخيل.. عن رحلتي إلى الجزائر





 في مطار اسطنبول، شعرتُ بالغربة والوحدة أثناء انتظاري حلول الوقت للطيران صوب الجزائر. وجوهٌ مختلفة تزاحمت أمام ناظري، وجوه عابرة، مستعجلة، مطمئنة، قلقة، وجوه كثيرة، غريبة، وغير مألوفة بالنسبة لي، تغلُب عليها الملامح الأوربية فاقعة البياض. إذن، هذه هي تركيا العثمانية، هذه الأرض حاضرة الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت واستعمرت بلاداً كثيرة لا استثني منها السودان (1821-1885)، وهذه هي اسطنبول الفاتنة والساحرة كما وصفها لي أحد الأصدقاء.
سُحتُ في الوجوه التي زغللتني من كثرتها، ورغم عدم منطقية خواطري؛ إلا أنني ظننتُ أن كلّ من أراهم في المطار هم أتراك! وطفقتُ أبحث في الوجوه عن أثر الاستبداد العثماني الذي جعل العثمانيين يحتلون بلدي وغير بلدي من البلاد، وفي ذهني ذاك التعالي والترفُّع على الناس الذي نُمِّطت عليه الشخصية التركية في المسلسلات والأفلام المصرية، وتساءلت إن كانوا في فترة استعمارهم لنا على ذات النهج الاستعلائي، أم أن الأتراك في مصر غير الأتراك في السودان!
تركتُ التاريخ خلفي ووقعت أسيرة الراهن، بدأت أطابق الوجوه التي أراها ـ والتي افترضتها تركية ـ أطابق بينها وبين الوجوه في ذاكرتي الفوتوغرافية للممثلين والممثلات في المسلسلات التركية الرومانسية المدبلجة، أقارن بينها وأبحثُ عن ملامح مشتركة، وعن شبهٍ بين ما أراه حيّا بكافة أبعاده أمامي ووجوده الفيزيقي المحقَّق، وبين صور ذاكرتي المطموسة، المرتبكة والشكّاكة، ولكني لم أخرج بشيء؛ فلم أجد من يشبه مهنداً أو من تشبه سمر، ونسيتُ أن أبحث في مكتبة ذاكرتي عمن يشبه أورهان باموك أو إليف شفق! يا لهذه الميديا ودأبها على برمجة الذاكرة وحشوها بما ترغب!
أعترفُ أن ذلك البحث اليائس في الوجوه وكتاب (بعض الظَّن) للشاعر طارق الطيِّب قصَّرا عليّ ساعات الانتظار، ولَهَياني عن الأشواق التي كانت تلحُّ عليّ طاويةً المسافة بين تركيا والجزائر. ابتسامةٌ ارتسمت على شفتيّ للمفارقة: في أن أسافر إلى بلدٍ عربي أفريقي على ذات خارطة قارتي أفريقيا عبر آخر أوربي!
الجزائر من البلاد التي أحبها، لا ينحصر هذا الحب في إعجابي الشديد بالتجربة الجزائرية في إجلاء الاستعمار الفرنسي، والصمود والإصرار العنيد العتيد على التحرُّر، ليس هذا فقط، إنما ينفتح هذا الحب ليحوي تلك العلائق الإنسانية، الإبداعية، الجمالية، الوجدانية التي تربطني بصديقات وأصدقاء جزائريين، الذين هم من مكاسب وجودي الآني.كذلك يتفرع حبي للجزائر في نواحٍ عديدة تبدأ بالأرض الجزائرية من حيث جغرافيتها وطقسها، وتمر عبر إعدادي لكتاب (مختارات من الشعر السوداني في الثورة الجزائرية)، مكنني من رؤية الجزائر في عين شعراء بلادي وقرّبني إليها،  ولا ينتهي الحب بلهجةٍ جزائرية تستفز جهلي لمعرفتها وتفكيك جملها كي أفهمها.
قبل أن أطأ أرض تلك البلاد، اتصلتُ بصديقتي الشاعرة الجزائرية حبيبة العلوي من الطائرة، رغم تعبي ومتطلبات جسدي من راحة ونوم، إلا أنني كنتُ متشوقة للالتحام بأرضها، لذا مكثت في الفندق ساعة أو أكثر بقليل قضيتها في انتظار حبيبة ومداهمات نوم تقطّع على أنصال الشوق.
ذهبنا سيراً نقصد مقر معرض الكتاب، صحبة (سيدي) شقيق صديقتي، ـ تناديه حبيبة (سيدي) وصرتُ أناديه مثلها ـ أثناء سيرنا كنتُ أقف لأعبئ صدري بهواء الجزائر، وعيناي تسابق قدميّ وتتعثران بهما. كانت المنطقة المحيطة بالفندق ومقر المعرض في طرف المدينة، بعيدةً عن الناس، هي جميلة، خضراء وهادئة، ولكن ليس هذا ما جئتُ لأجله فقط. 
التقينا في المعرض بالصديق الشاعر الجزائري أبوبكر زمال، لم يكن العثور عليه سهلاً هذا الشاعر القلق، الذي أشعر كلما رأيته أن هناك ما يشغل باله ويأخذه مما حوله. كان الناسُ على أعتاب الخروج، فلم نأخذ جولة واسعة في المعرض، لكن قبل خروجنا سرني لقاؤنا بالروائي والناشر الجزائري بشير مفتي في جناح منشورات الاختلاف.
كانت غرفتي بالفندق تطل على البحر، في مدينتي ليس ثمة بحر، فيها نيل، لا بحر، يمر بها النيل الأزرق الهادر في فصل الخريف، لكن ماءه يقل في بقية الفصول، وبيتي بعيد، ليس قرب النهر، كذلك لا يطل على بحر. كانت غرفة مثالية، وأظنني محظوظة في غرف الفنادق، تلك المطلة على الماء، ما فتئتُ أقيم في غرف مماثلة أوقات السفر.
في الفندق كُتاب ومبدعون كثر، قدموا من أوربا وأمريكا وبلدان عربية وغير عربية عديدة، لحضور الصالون الدولي للكتاب والمشاركة في فعالياته المختلفة من قراءات شعرية وندوات وملتقيات وتقديم أوراق.
نداءٌ قوي يشدني إليه، نداء آخر غير أجواء الفنادق، إنه نداء المدينة، نداء الناس والطرقات، وهذا ما أحبه في السفر، أكثر من الجلوس في الفنادق والتحدث؛ إنما أصحب من معي للتجوّل والتعرُّف على المدن. حديث الكُتاب جميل، لكنهم يسيرون بك وبينك وبين الأرض فراغ، تسير على بُسط الخيال والأفكار، تستمع للبطولات والمعارك، وتتورط في السجالات، وما أردتُ هذا الطفو، بل رغبتُ الانغراس في الأرض أولاً، ملامستها والإحساس بها، معرفتها على طبيعتها وبساطتها، دفئها وصدقها، ويتحقق ذلك مع الناس ووسطهم.   
(سيدي) دليل سياحي بامتياز، يحفظ تاريخ الجزائر ومعالم العاصمة، قادنا في طريق يحاذي البحر، ومن داخل السيارة دلّني على مقام الشهيد الواقف بشموخ والذي سأزوره لاحقاً.
الشوارع كانت شبه خالية، عرفت أن الجزائريين يذهبون مبكراً لبيوتهم، وقد يساهرون داخلها، ظننتها خصيصة فرنسية، ففي أوربا تكاد الشوارع تخلو من الناس في الليل عدا أيام العطلات، ولكن أخبروني إنها إفرازات سنوات الإرهاب، حيث يهجع الكل باكراً حفاظاً على حياته.
في البيت في منطقة باب الواد، استقبلتني (يُمّا) بترحابٍ بالغ، وكانت هناك شابة جميلة هي بثينة، وتذوقت الكًسكسي على يد (يُمّا) لأول مرة في حياتي. ثم حدثوني عن الصحراء الجزائرية، عن عاداتها وتمرها وتحديداً تمر (دجلة نور) وهو من أطيب الأنواع. حكت لي (يُمّا) عن ذكرياتها وهي طفلة، عن أيام الاستعمار الفرنسي، وعن بن بلَّا والشاذلي الذي اكتشفتُ مقدار حب الجزائريين وتقدريهم له، عن بعض بطولات النساء ومساعدتهن للمجاهدين، وحتى عن تداعيات الأزمة التي دارت بين الجزائر ومصر على أرض السودان، وكيف مكّنت تلك الواقعة الكروية إظهار الحب الكامن للجزائر ولأرضها والغيرة عليها لدى الجزائريين؛ فالجزائري لا يعبِّر عن عواطفه بسهولة وسلاسة ولا يظهرها، كما عرفتُ.
في الصباح بعد سهرة دامت حتى وقت متأخر جداً، خرجنا ـ حبيبة وأنا ـ صحبة (سيدي) في جولة في باب الواد عبوراً حتى كنسية السيدة الأفريقية، مررنا بطرقات ضيقة وغير مستوية، فالأرض جبلية، تصعد السيارة وتهبط وتدخل في طرقات ضيقة يكون تقديري لها أنها أضيق من أن تمرر سيارة، لكنها تمر! مررنا بمدارس ثانوية وابتدائية أسوارها عالية تتوسطها أبواب صغيرة مقارنة بحجم الأسوار، التي بدت لي تشابه أسوار القلاع، من بين هذه المدارس ثانوية فرانز فانون (1925-1961) صاحب كتاب "معذبو الأرض" وسُميت المدرسة باسمه تكريماً له؛ لأنه كان من المناهضين للاستعمار الفرنسي للجزائر.
كان حال الشارع مختلفاً عنه في الليل، ضاجاً بالحركة والصخب، الناس في بيع وشراء، البعض يجلس أمام المتاجر وبعض الصغار يلعبون الكرة، وآخرون محمَّلون بأكياس الخضار والخبز، كان اليوم جمعة والحركة دائبة حتى صعودنا إلى السيدة الأفريقية، هذا الأثر الذي بُني عام 1872 والذي من خلاله أراد الفرنسيون توطين أنفسهم في الجزائر، اختاروا لها مكاناً رائعاً بالفعل، مكاناً مرتفعاً (128 متراً عن سطح البحر)، منه ترى الكثير من المواقع، مقابر المسلمين والفرنسيين وبينهما مقابر اليهود، استاد عمر حمّادي العتيق، ترى البحر الممتد والمنارة وبعض السفن في عرض البحر، ترى المباني والبيوت المنتشرة على الجبال المحيطة، ترى باب الواد هذا الحي الذي يفخر به ساكنوه لما لعبه من دور بطولي ووطني كبير.
كنيسة السيدة الافريقية 1872 
 السيدة الافريقية كنسية ضخمة، إن نظرت إليها من تحت تشعر وكأنها على حافة الجبل، ذات تصميم معماري جميل، مزينة في الأعلى بشريط زخرفي عريض باللون الأزرق والأبيض والرمادي، داخلها يقبع تمثال مريم العذراء البرونزي الضخم. السيدة الأفريقية مكان هادئ، تحيط به الأشجار العالية ويحفه الجمال، مما يستفزك للبقاء فيه طويلاً رافلاً في جُبة الصمت والتأمل، وغائصاً في فيض الطاقة الروحية الذي يغمره.
بعد أن تجولنا في وسط المدينة وعبرنا بمنطقة ترفرف فيها الكثير من الأعلام، هي منطقة السفارات. ذهبتْ حبيبة العلوي لتوقيع ديوانها (قهوة مرّة) وذهبتُ أنا إلى الفندق لتقديم ورقتي ضمن ملتقى الأدب والتاريخ، التقيتُ بالروائي الجزائري واسيني الأعرج، وبالصديقة الإعلامية والكاتبة فائزة مصطفى والروائي المصري محمد العشري ورأيت سعدي يوسف الشاعر العراقي والعديد العديد من الكتاب والكاتبات.
اليوم التالي خصصناه لجولة واسعة في العاصمة، ذهبت مع حبيبة لمبنى البريد المركزي الذي بُني في عام 1913، شيدته فرنسا ولكنه على الطراز الإسلامي (النيوموريسكي). مبنى دائري مطلي باللون الأبيض من الخارج، ومزخرف بالزخرفة الإسلامية في الداخل، تنتشر (لا إله إلا الله) في كافة الزوايا، والعديد من الأعمدة الدائرية التي تربط بين السقف والقاعدة، بدا لي أشبه بالمساجد من حيث التصميم الداخلي، مع الفروقات.
قضينا بعض الوقت في ساحة البريد المركزي، حيث المكتبات في الهواء الطلق، كتب كثيرة منتشرة على الطاولات الكبيرة، كتب مستعملة يُعاد بيعها، بالعربية والفرنسية، كتب من شتى المعارف ومختلف الأجناس الأدبية.
ثم ذهبنا إلى الجاحظية، حيث لا إكراه في الرأي، وهي جمعية ثقافية أُسست عام 1989، أسسها الروائي الراحل الطاهر وطار (1936-2010). مكان بسيط، وقاعة صغيرة محاطة في الأعلى بنهج الجمعية وهي منهج (لا إكراه في الرأي) مكتوب بخطٍ أقرب إلى الخط الكوفي على جوانبها الأربعة، وتعلوها صور وبورتريهات لفنانين ومثقفين وكتاب جزائريين، وينتشر بين الصور العلم الجزائري في حجم صغير. يفتح على هذه القاعة مكتب المدير والمطبعة ومكتب آخر، وهناك صالة الاستقبال التي تقودك لقاعة الندوات بها طاولة طويلة عليها كتب عديدة وإصدارات الجاحظية المختلفة، وملحق بكل هذا مطبخ وكافتيريا صغيرة. صور الطاهر وطار في بوسترات لفعاليات عديدة ترحب بك، كما كان يرحب بالزوار قبل رحيله، جلستُ على مقعد من مقاعدها السوداء المكسو مسند ظهرها بقماش أحمر، وتنفّستُ في فضاءٍ تنفّس فيه الطاهر وطار، جسّد فيه حلمه ورؤاه وأسسه بالجهد والتعب فكان الجاحظية، مكان صغير، لكنه بؤرة ضوء تنشر ضياءها في الجهات كلها.
في السوق وليس بعيداً عن الجاحظية، ـ فالجاحظية لم تقع في مكان منعزل، بعيد عن الناس، إنما وسطهم فهي منهم ولهم ـ في تلك المنطقة النبض الحيّ مازحنا بائعي الخضار والفواكه، وتعرفتُ على أصناف عديدة من الفواكه المتوسطية، وتقدّم لخطبتي أحد الشباب، وابتعنا عدداً من الجرائد عربية وفرنسية طلبها صديق صحفي في السودان ليكوِّن فكرة عن الصحافة في الجزائر. 
ثم كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، تلك التي ركبتُ فيها (تلي فريك) لأول مرة في حياتي، صندوق صغير يجري على الحبال ويربط بين الجبال. تسحرني المناطق المرتفعة، سحرتني قرية دوما بلبنان كما سحرتني تشكيلة الأضواء ليلاً في الأردن وهي متدرجة صعوداً وهبوطاً في الجبال، تسرق نظرك وتحوز إعجابك وأنت في طريقك ليلاً داخلاً على عمان أو خارجا منها.
(التلي فريك) كانت تجربة نهارية مذهلة، لم اعتد رؤية الأشجار التي تحاذي الجبال طولاً، في بلدي هناك جبال، في الشرق سلسلة جبال التاكا، والغرب سلسلة جبال النوبة وأقصى الغرب جبل مرة حيث مناخ البحر الأبيض المتوسط، في الشمال صحراء، والجنوب غابات ومناخ استوائي، أما الوسط حيث أقيم فإنها أرض زراعية منبسطة لا علو فيها سوى للبنايات القليلة، لذا فإن المناطق المرتفعة تعجبني؛ لأني ما اعتدتها ولأنها تشكِّل جغرافيا مختلفة بالنسبة لي.
مقام الشهيد
 صعدنا لمقام الشهيد، هذا النصب الضخم، الذي يبلغ ارتفاعه 92 متراً، والذي تمَّ بناؤه عام 1982 وصممه الفنان الجزائري بشير يلس. يطل مقام الشهيد على البحر وهو في أعلى العاصمة الجزائرية، ويتكون من ثلاث سعفات نخيل متباعدة في قاعدتها تميل مقتربة من بعضها حتى تلتحم ثلاثتها في الأعلى، تصميم فريد لتكريم شهداء الثورة الجزائرية والشهداء الذين سقطوا طيلة سنوات الاستعمار الفرنسي. في الليل يمثل المقام لوحة فنية ضوئية يغلب عليها الأصفر تراها من أقصى مكان في العاصمة. يتوسط مقام الشهيد قاعدة دائرية من الرخام الداكن في قلبها المشعل الذي يحيط به غصنان من المعدن المنحوت يتقاطعان عند نهايتهما وكأنهما سيفين، داخل هذا التقاطع نُحتت على قاعدة مستطيلة: (المجد والخلود للشهداء).
المقام يجلس على متحف المجاهدين، الذي تستقبلك فيه سورة الفاتحة تُقرأ على أرواح الشهداء، وكأنك تصافحهم من خلالها، وعلى الحائط كلّ آيات الجهاد في القرآن، مخطوطةً باليد ومتوزعة في محيط القاعة الدائرية المطلية باللون الأسود والمضاءة بإضاءة مميزة. السواد والإضاءة والآيات الجهادية والخط العربي الإسلامي والصمت والهدوء يشعرك فعلاً أنك عند مقام شهيد.
داخل المتحف الكثير من الأدوات الحربية، بنادق، مدافع، بقايا ألغام، وغيرها الكثير، ومعروضات لاسلكي وراديو وأجهزة كانت تستعمل في الاتصال بين المجاهدين. وقسم خاص بمتعلقات المجاهدين من أحذية وألبسة وعباءات وخوذات ومسدسات، وفي غرفة مدهشة تجسيد للخط الحدودي المكهرب الذي بناه الفرنسيون لمنع الإمدادات من دول الجوار، ترى منحوتات لمجاهد مستشهد وآخر على وشك عبور الخط، وترى كيف كان يحفر المجاهدون خنادق تحت الأرض لفكّ السلك المكهرب ليعبروا إلى ما وراء الحدود، رغم ما تنطوي عليه هذه العملية من خطورة كبيرة أودت بحياة الكثيرين، لكن لم يكن هذا تحديداً ما يثني المجاهد الجزائري عن إكمال رحلة كفاحه وجهاده لتحرير بلده. وغرفة أخرى تحوي صور الشهداء والشهيدات والقادة الجزائريين من مختلف مناطق الجزائر، ومختلف الأجسام التي ينتمون إليها، ومن مختلف المراحل منذ بداية الاستعمار حتى التحرير بما فيهم من صاروا رؤساء للبلاد لاحقاً كالرئيس أحمد بن بلّا والشاذلي.
في البدء تساءلت عن مغزى إقامة متحف للمجاهدين، من يحتفي بالحرب إلى هذه الدرجة؟ وهل يؤشر هذا إلى عنفٍ ما في الإنسان الجزائري؟
 لكني لاحقاً خجلتُ من تساؤلاتي هذه؛ لأن مما رأيته وعرفته أدركت عظمة هذا الشعب ومقدار التضحيات التي قدّمها، وأن المتحف ما هو إلا تكريمٌ وتخليدٌ لهؤلاء الشهداء، وأنه رسالة الأحياء للشهداء العابرين تخبرهم مقدار التبجيل والتقدير والحب المكنون في الصدور تجاههم، هو رسالة الأرض إلى السماء.
 عندما تفاجئني الحياة بالخبايا والهدايا الصغيرة اللطيفة ملقاةً على الطرقات، يخطر لي: هل الصُّدف صدفٌ حقَّاً، أم هي الأقدارُ تخدعنا بشبهةِ الصُّدف؟ آهٍ لو كُشفتْ الحُجب! ماذا لو كُشفتْ الحُجب؟
عند القدريين، الصُّدفة ليست صدفةً فقط، إنما هي أحداث مكتوبة ومقدَّرة سلفاً، أما عند غيرهم قد تكون الصدفة مجرد حدث عابر قد يحدث أو لا يحدث، دون محمولات وتفاسير أو اعتقاد أنها مدونة ضمن صيرورة الأحداث. لكن الصدفة بالنسبة لي فإنها تؤسس لما بعدها، ولو بعد حين، قد تغيِّر مصائر أناس، وتعيد تشكيل حياة آخرين، تلوّن حياة البعض وتدمر حياة البعض الآخر، قد تكون سبباً في البناء أو الهدم.
قبل كل هذا، التقيتها صدفةً معيَّة الشاعر أبوبكر زمال، سألني إن كنت قد تعرّفتُ عليها، فقلت له: للأسف لا.
إنها الشاعرة والمترجمة الإيرانية مريم حيدري، لم تقف تلك الصدفة هنا، لم تقف أبداً، إنما ذهبتْ بعيداً، بعيداً جداً، لمناطق ما تخيلتُها، لانسجام وصداقة ومحبة عميقة وضحكات ونكات ومشاريع مشتركة، خيبات وآمال وأحلام.
في الفندق بعد أن غادرتني حبيبة كان معي الصحفي والكاتب الاريتري محمود أبوبكر، وجدت الناشرة المصرية فاطمة البودي التي نشرت لي مؤخراً روايتي (ابن الشمس)، التقيتُ ومازحت الشاعر الجزائري بوزيد حرز الله والشاعر المغربي إدريس علوش والشاعر ميلود حرز الله، ثم أخبرتني مريم أنها ترجمت لي نصاً للفارسية منذ ثلاث سنوات واندهشت؛ لم يكن لدي علم.
في الليل ذهبنا على دعوة عشاء رسمي، كثرت فيه البروتوكولات، لكن طاولاتنا كانت الأكثر ضجيجاً ومرحاً وحياةً، ضمّت حسينة كاتبة ورئيسة تحرير مجلة في فرنسا، الصحفي والكاتب الأريتري محمود أبوبكر وزمال ومريم وأنا، تأكد لي خلال تلك الليلة أن البساطة هي الطعم الأحلى.
في الحياة أشياء تحب أن تكررها، وأخرى ترغب في الابتعاد عنها، وأخرى تخاف إن كررتها أن تضيع ملامح التجربة الأولى وتنطمس، ليس لأنها جميلة، وإنما لأنك لست واثقاً من ديمومتها على حالتها الأولى وتأثيرها العميق عليك. عني، أرغب في تكرار رحلتي إلى الجزائر، لأني أعرف وأثق أن الجزائر تخبئ لي الكثير الكثير، وأنها ستفاجئني مراراً وتكرارا، لن تملّ ولن أملّ. أرغب في العودة إلى الجزائر وزيارة الصحراء والأوراس والشرق الجزائري وقسنطينة، التي تمنيتُ بشدِّة زيارتها، ولم أفعل، لكن تظل هذه الأمنية معلقةً على مشجب الأماني واجبة الإشباع.
في اليوم المقرر لسفري ذهبنا إلى مطار الجزائر معي الروائي الهادئ الخلوق محمد العشري، رافقتني الأماني وضحكات مريم، وبدأت رحلة العودة إلى السودان، لكن عبر القاهرة هذه المرة، وبيدي كتاب شعري للشاعر الإيراني أحمد رضا أحمدي، من ترجمة مريم حيدري.
ثمة لقاءٌ عابرٌ على الطريق يصير هو الطريق.
http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k4\2013-05-13\50.txt&storytitle=