الخميس، 23 مايو، 2013

رانيا مأمون تلتقط بـ«فلاش أخضر» صورة جديدة للمجتمع السوداني

هل يصلح الشباب ما أفسدته الموروثات العنصرية؟

الخرطوم: شذى مصطفى 


رانيا مأمون من الكاتبات اللواتي ظهرن في التسعينات، ونجحت في وضع بصمتها المميزة وإضافتها الجريئة على المشهد الأدبي. نشرت لها قصص ومقالات فى الصحف والدوريات وبعض المواقع العربية على الإنترنت. وأول عمل روائي لها، أبصر النور أخيرا، تحت عنوان «فلاش أخضر» عن «الدار العالمية للنشر». ورواية رانيا مأمون كما الجيل الجديد من الروائيين تحمل همّ الغربة والحنين الى الوطن بعد أن تشتت الملايين من السودانيين فى كل البلاد، هاربين من الحروب والتسلط بأنواعه المختلفة. إلا أن الأمل في العودة يدغدغهم عند أول خطوة خارج بلادهم، راضين عن كل الصعوبات التي تصغر وتضمحل أمام جفاء الغربة وقسوتها، حالمين بوطن جديد تبنيه عزائم غضة طرية تزيح عن كاهله كل ما توارثوه من أخطاء الكبار!
«نور» بطلة الرواية تعيش في لندن «مدينة السودانيين المحببة»، بجسدها فقط، وفكرها وتأملها يعود الى الماضي وكل ما حولها يشدها الى الوراء، فأمطار لندن تذكرها بـ«دعاش» الخريف بمدينتها الذي له رائحة منعشة، وصقيعها يذكرها بطفولتها وثلج مدينتها الهش الذي يذوب ما أن يلامس أفواههم الصغيرة، وحتى كوب الشاي يعود بها الى شاي أمها.. وهكذا هي على دولاب يسير دائما للوراء. فحبها الوحيد يعيش بين أصابعها في خاتم صغير، وبين أوراقها في رسائل، ووطنها تعثر عليه على الإنترنت وهي تفتش عن أصحابها القدامى يمدون أيديهم محيّين لها من بعد..
لا تستطرد الكاتبة في سرد ملامح بطلتها «نور» المشغولة عن رؤية الذات برؤية الغير، فذكرياتها ايضا، تعود الى مصر حيث تلقت دراستها الجامعية، وفيها تحررت من كل القيود وبدأت تكتشف هي بنفسها ومن البداية «الآخر» بعيدا عن تأثير الموروثات الاجتماعية التي ولدت حروبا ونزاعات ما زالت معاناتها حتى اليوم دون محاولة للسؤال: لماذا؟ ففي مصر تتعرف على زميلها الجنوبي «دينق»، وهو «الآخر» الذي لم تحاول الاقتراب منه في بلدها، وتكتشف أنه شخص شهم، طيب القلب يتفوق بذكائه على زملائه في الدراسة، ويعاني هو أيضا من مأساته الخاصة حيث شردته الحرب عن والديه وإخوته ليتربى في كنف سياسي جنوبي ثري يعيش في الخرطوم.
تتعرف «نور» على «أحمد» أيضاً، وهو حبها الأول الذي يحتل كل جوارحها.. تفصل «نور» عن «دينق» اللغة والدين والثقافة، ولذا تتساءل في بداية معرفتها به، هل كلهم مثله يتمتعون بهذا الخلق الطيب؟ لماذا لم نقترب منهم لنعرفهم؟ أما «أحمد» فتسرد «نور» ذكرياتها عن حبها له، فهو يشاركنا فى اللغة والدين والثقافة بل والمكان وكل مناحي الحياة إلا أن جذوره تعود الى قبيلة «الفور» غرب السودان، لذا يعارض أهلها الزواج به بعد أن تعلمنا «نور» بأصوله العرقية في منتصف الرواية، أمر يشعل الموروثات «العنصرية» التي لا مبرر لها، إضافة إلى شعور مضلل من طرف على آخر بالتفوق والتميز العرقي رغم أنه يشاركه في سواد البشرة!
وهذا التساؤل الذي تتطرق له الكاتبة رانيا مأمون يعد من المسكوت عنه في المجتمع السوداني ويكاد يتناول بتحفظ بين المثقفين والأدباء، فهي تفرقة عنصرية تمارس خفية إلا أنها تفضح مجتمعا مزدوج المعايير. ورانيا مأمون بجرأتها تلك تفتح بابا واسعا يدخل منه النقاش بدون وجل.
تحتد نقاشات الندوات السياسية الجامعية بين الطلاب و«دينق»، فهم لم تتفتح عقولهم مثل «نور» للتساؤل ويستمرون في غيهم الموروث، فيصمون «دينق» مرة بالخائن، وهو ما جعله ينفث غضبه بضرب زميل له ويصرح أمام «نور» أن مثل تلك النقاشات هي ما تدفع به وبأبناء جنسه الى «الغابة» أي التمرد المسلح الذي أشعل الحرب الأهلية بالسودان لعقدين من الزمان!.. وزميلة «نور» في المسكن تجيبها برفض أهلها بالزواج بمثل حبيبها «أحمد» لأنه من غرب السودان.
يرحل «أحمد» عن الحياة بسبب مرض صدري جراء التعذيب في السجون السياسية، فهو يحمل عبء النهوض بمجتمعه مخلفا وراءه جرحا عميقا في قلب «نور» ونذرا منها بألا تقترن بغيره مدى الحياة وصورا تعمق مشاعر الحب والحزن معا، وأوراقا سطر «أحمد» فيها أثناء سجنه كل تطلعاته وأحلامه في العيش الكريم للشعب الذي يعشقه رغم النظرة المتعالية عليه، وكتابات «أحمد» التي تقرأ لنا «نور» بعضا منها شبيهة بأفكار «النبي» لجبران، التي توقظ الروح من سباتها وتناقشها وتنهض بها من ركام الخمول والركون الى الموروث وتحثها على التطلع للخير والجمال. فأحمد رفض الانتماء الحزبي. ويرى أن الإصلاح الاجتماعي يبدأ من الفرد، ولذا يخاطبه عبر كتاباته. و«نور» تؤمن بالكتابة كوسيلة ناجعة للتغيير.
يهاجر «دينق» الى أميركا للعمل، وتسافر «نور» للندن لمواصلة الدراسة، ويبقى «أحمد» صديقهما الذي رحل مبكرا عن الحياة معهما الاثنين في كل حديث ولقاء، وعبر الإنترنت تعثر نور على صديق وجار آخر «عماد» والذي يبدي رغبته في الزواج منها بعد حب دفين لها. ترى «نور» أن الزواج به خيانة «لأحمد» إلا أن الأنثي داخلها بتردد توافق!..
يتفق دينق ونور معا على العودة الى الوطن للمشاركة في نشر كتابات صديقهما «أحمد» بدار نشر يشتركان في تأسيسها، فهما يشعران بمسؤولية ما حمله إليها «أحمد»، فوصايا الموتى لها قدسية عند الأحياء! ودينق ينوي بعدها الذهاب الى الجنوب، فهو يرى ألا خير فيه إن لم يكفر عن خطيئته الأولى بخدمة أبناء إقليمه الجنوبي الذين هم في أمس الحاجة إليه.
«فلاش أخضر» وبطلتها «نور» تمثل صورة مصغرة مضيئة لجيل الشباب الحالي الذي كبر ليجد حربا طلب منه أن يشارك فيها بدون أن يُسأل لماذا؟ وموروثات وتقاليد عززت من الانشقاقات داخل الوطن، وهجرة لجأ إليها الشباب بعد يأسهم من الإصلاح الموعود من الكبار الذين يفتقدون الحكمة، ودينق ونور بمشروعهما المشترك يمثلان حلم التقاء بين الجنوب والشمال للسلام، طواعية بدون شروط ودون قوات دولية لحفظه!

عن الشرق الأوسط، 2 اغسطس 2006
http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=9896&article=375982#.UZ3RVdg-258 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق