الأربعاء، 22 مايو، 2013

خيال جامح ونبض إنساني يسري بين السطور




وجدي الأهدل*
أتيحت لي الفرصة لزيارة السودان في عام 2005 بمناسبة «الخرطوم عاصمة الثقافة العربية». وكما يحدث عادة في هكذا حالات، فقد استُضفنا في فندق فخم، وكنا نتنقل في باصات مريحة ومكيفة، وذهبنا إلى أماكن محددة، وبعد أسبوع من الإقامة المرفهة عدت إلى بلدي. وكنت أظنني بهذه الزيارة الخاطفة قد عرفت هذا البلد العربي الكبير. إلا أن قراءة قصص الكاتبة السودانية رانيا مأمون «13 شهراً من إشراق الشمس»(1) بددت هذه الفكرة الساذجة، إذ نقلتني إلى الحياة اليومية للشعب السوداني، وخاضت بي طولاً وعرضاً في البيوت والشوارع، وسارت بي عميقاً في نفوس رجال السودان ونسائه. ولاشك هذه ميزة الأدب الجيد الذي يخلصك من النظرة المسطحة الباردة، وينفذ بك إلى جوهر الإنسان وتضاريسه الروحية.
يتكون الكتاب من عشرة قصص، في معظمها ملمح إنساني بيّن، وتعاطف حقيقي نابع من القلب مع الشخصيات التي كتبت عنها الكاتبة، وتصوير مؤثر للأوضاع المعيشية والاجتماعية الصعبة التي ترزح تحت ثقلها هاته الشخصيات التي لا نملك إلا أن نشاركها وجدانياً في مآسيها، ونشعر ونحن نقرأ أقدارها بأن المحبة التي تكنها الكاتبة لشخصياتها قد انتقلت إلينا، وهو ما يعمق وعينا ويفتح أعيننا على مقدار الشقاء الذي تضطرب فيه الطبقات المسحوقة. الكتابة عن المهمشين بسبب مرتبتهم الاجتماعية أو تطرف نفسياتهم «المختلين» ليست بالأمر السهل البتة، وقد لاحظت أن عدداً من الأدباء قد جرى عندهم هذا الأمر مجرى «الموضة» فراحوا يكتبون عن المشردين والمجانين كتابات مصطنعة، درجة حرارتها تحت الصفر، وفيها تكلف يثير الضيق، وتقدم رؤية خارجية كريهة، تشبه عالماً في مختبر يتأمل من خلال عدسات المجهر زغب صرصور ميت. بالنسبة للكاتبة (رانيا مأمون) لا نلحظ هذا التعالي اللّا واعي المقيت، بل هي تقوم بعملها دون ازدراء أو اشمئزاز، وتتقمص نفسيات من تكتب عنهم وكأنها جزء منهم، وتتفاعل مع أتراحهم، وتتفهم نوازعهم ودوافع أفعالهم. تتكلم قصة «امرأة تتوسد صرتها» عن عجوز متشردة تنام لصق جدار الجامع، لا أحد يعرف حقاً من هي، ولكن الناس مجمعون على أنها مجنونة. تركز الكاتبة على الجوانب الإنسانية في حياة هذه المرأة ووصف عالمها الخاص مهما بدا ضئيلاً ومكشوفاً للعيون. إن إحدى أكبر خطايا البشر التي لا يحسون بها عندما يقترفونها هي استسهالهم لإطلاق أحكام خفيفة ومتعجلة على أي شخص يصدر عنه سلوك ما مخالف لما درج عليه المجتمع واعتاد.

تصف الكاتبة العجوز وموضعها وصفاً صادقاً لا يخلو من عذوبة:
«في قربي منها ألحظها طويلة الوجه، غائرة العينين، سوداء، مُشلخة رأسياً، خفيفة شعر الرأس ربما تساقط مع سنين العمر. دوماً نظيفة، لا رائحة منفرة تفوح منها، تلمع غالباً من الزيت الذي تدهن به ساقيها ويديها، رأيتها عدة مرات تدهن نفسها، ورآها آخرون وهي تغسل ملابسها في حنفية الجامع، وتنشرها في زريبة ناس «حسنية» من الداخل والخارج، وهي مساحة أمام البيت تقابل الباب الشرقي للجامع، مسورة ومغطاة بشوالات الخيش والبلاستيك بغرض التوسعة، وبها شجيرتا نيم فقيرتان لا تنشران سوى باهت الظل تحتهما. تغير مكان إقامتها حسب حركة الشمس، في الصباح جهة السور الشمالي، حيث ظل النيم الكثيف، وفي العصر أسفل السور الشرقي حيث ظل النيم أيضاً وظل الأبنية الزاحف حثيثاً إليها. ليلاً قد تتكور هناك أو قد تختفي دون أن يعلم أحد أين، يخمن البعض أنها تنام داخل الجامع، والبعض في الزريبة المقابلة، وتختبئ كالكل أثناء المطر، وتظهر بعده مباشرة كقوس قزح»(2).
وواحدة من أفضل قصص المجموعة والتي ترتقي إلى مصاف الأدب الإنساني العظيم هي قصة «خطى تائهة» التي تتحدث عن صبية مصابة بمرض السكر، والدها متوفى، وأمها تعاني من صدمة عصبية جعلتها غير قادرة على إدراك ما يدور حولها، فإذا هي تعول نفسها بالتسول ومنح جسدها الهزيل مقابل كسرة خبز. في إحدى الليالي تسمع صوت غناء فتدرك أن هناك عرساً في الحي، تفكر بالذهاب لتأكل، في أثناء سيرها تداهمها نوبة سكر وتسقط على الأرض عاجزة عن الحركة، تسند نفسها بصعوبة إلى أحد الجدران لكي لا تدهسها سيارة عابرة، يمر موكب العرس بجوارها ولا ينتبه أحد لحالتها. كلاب الحي تتجمع وتشكل حولها قوساً. وهي بين الحياة والموت تسمع هرير الكلاب وتبدأ بفهم لغتها.. تغيب الكلاب برهة ثم ترجع وفي أفواهها بقايا مأدبة العرس من اللحوم، تأخذ منها قطع اللحم وتستعيد نفسها من قبضة الموت. ومن القصص الجميلة التي برعت الكاتبة في نسجها قصة «أبواب» وهي عن المواطن السوداني «عمر أحمد» صاحب العائلة الكثيرة العدد والعاطل عن العمل الذي وجد أخيراً وظيفة تستره وتوفر له ولأسرته حياة كريمة، وعندما ذهب في الصباح لاستلام عمله إذا به يُفاجأ بأن ثمة تغييراً قد حصل، وأن الوظيفة قد طارت إلى شخص آخر، يحاول مقابلة المدير ولكنهم لا يسمحون له بالدخول، فينهار سقف العالم على رأسه ويخر باكياً. وهذه قصة واقعية تكشف تفشي المحسوبية والفساد الإداري في الدوائر الحكومية. في قصة «أنصال في طين الروح» وهي عن أم تسعى إلى إنقاذ ابنها المصاب بفشل كلوي، نلمس اتجاهاً تجريبياً في الكتابة، فالأحداث مروية بطريقة كتابة السيناريو، والنص يتم تقطيعه إلى اثنتي عشرة لقطة، وكأننا نشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً يضم في ثناياه حياة كاملة.
الحديث عن الحبكة في قصص (رانيا مأمون) يحتاج إلى كثير من الانتباه، ولاشك أن لكل كاتب أو كاتبة مفهومه الخاص عن الحبكة.. وفي تقديري أن (رانيا مأمون) تستخدم في نصوصها القصصية حبكة مرهفة، ذكية، تحتاج إلى قارئ متمرس للأدب ليدرك خفاياها وامتداداتها داخل القصة، وسأكتفي بضرب مثالين: الحبكة الأولى نجدها في قصة «مدن ومدن أخرى» وفيها سرد لرحلة فتاة من مدينتها مدني إلى الخرطوم، وظهور شخص في الباص مبتذل يتكلف التخاطب مع السائق والآخرين بلهجات غريبة عن البيئة المحلية ـ خليجية وشامية ومصرية ـ مما يثير انزعاج الفتاة بنفس المقدار الذي تثيره ذبابة لا تكف عن الالتصاق بوجهها فتشعر برغبة ماحقة في سحقها. والحبكة الثانية نجدها في قصة «أبواب» حيث يعاني «عمر أحمد» الذي سبق لنا أن ذكرناه، من مشكلة مع الأبواب، فهو عندما يريد دخول الحمام في بيته يحمل قطعة زنك لسد فتحة الحمام وستر نفسه، وعندما يريد الخروج من بيته فإنه يجد صعوبة في فتحه بسلاسة، وهو باب من ضلفتين إحداهما أقصر من الأخرى فلا يملك سوى الصراخ على ابنه: «يا محمد مية مرة قلت ليكم ما تقفلوا الباب الملعون دا شديد كدا.. أهو رزعة الباب دي خلتو يبقى كدا»(3) وتتفاقم مشكلته مع الأبواب عندما يصل إلى الدائرة الحكومية فيجد أن وظيفته الموعود بها قد ذهبت إلى شخص آخر، فيحاول الاحتجاج لدى سيادة المدير، ولكنه يصطدم ببابه المغلق. وفي معظم القصص الأخرى نجد هذا الشكل من الحبكات البديعة المضفورة بدقة.
تمتلك (رانيا مأمون) لغة قصصية مصقولة، ونسيجها السردي مُصفى لا تعكره تلك الزوائد اللفظية التي تغري الكثيرين بالاسترسال وإثقال النص بالترهات تحت مبرر ما يسمى بجماليات اللغة الشعرية. ما هو مهم أن تؤدي اللغة أغراضها الجمالية بحسب الحاجة العضوية للنص دون زيادة أو نقصان، وأي تزيد لا حاجة له سيربك النص ويؤذيه. وفي قصة «13 شهراً من إشراق الشمس» التي تحكي عن قصة حب رقيقة بين شابة سودانية وفتى إثيوبي، نجد الكاتبة قد بلغت الذروة في إحكام سيطرتها على اللغة، حيث يتدفق السرد بسلاسة، وتنهمر الحوارات رشيقة شفافة. وتبقى الإشارة إلى أن الكاتبة استخدمت العامية السودانية في الحوارات ما أضفى على نصوصها القصصية حيوية فائقة وبصمة واقعية تحسب لها.
حين نقيم القصص العشر، سنجد أن أفضلها هي تلك التي احتوت على شخصيات، وكلما كانت هذه الشخصيات نامية ومتباينة كلما أحرزت القصة نجاحاً أكبر. وهو الأمر الذي لاحظناه في القصص التي أوردنا نبذاً عنها، وهي تحديداً التي أثارت اهتمامنا أكثر من القصص الأخريات.
مرة واحدة فقط تخرج الكاتبة عن أسلوبها في كتابة القصة الواقعية، وتغامر بكتابة قصة سيكولوجية «حواف» التي تتحدث عن امرأة تعاني من تدهور نفسي بسبب تعثر زواجها، فتتخيل أن لها صديقة تتكلم معها وتصاحبها.. ربما كان لقصص التحليل النفسي رواجاً في الماضي، وأما الآن فيبدو لي أن الأدب قد اتخذ مسارات أخرى مختلفة.
إن أجمل إنجاز تمكنت رانيا مأمون من تحقيقه في قصصها هو الإمساك بالواقع السوداني الأصيل بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات بلغة رشيقة عذبة، وسرد فني محترف يوقظ في أرواحنا مشاعر البهجة والشغف.

هوامش:
(1) 13 شهراً من إشراق الشمس: رانيا مأمون، قصص، دار أزمنة، عمان، 2009.
(2) المصدر نفسه، ص 46- 47.
(3) المصدر نفسه، ص 40.
*روائي يمني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق