الخميس، 16 مايو، 2013

ثلاث سعفات نخيل.. عن رحلتي إلى الجزائر





 في مطار اسطنبول، شعرتُ بالغربة والوحدة أثناء انتظاري حلول الوقت للطيران صوب الجزائر. وجوهٌ مختلفة تزاحمت أمام ناظري، وجوه عابرة، مستعجلة، مطمئنة، قلقة، وجوه كثيرة، غريبة، وغير مألوفة بالنسبة لي، تغلُب عليها الملامح الأوربية فاقعة البياض. إذن، هذه هي تركيا العثمانية، هذه الأرض حاضرة الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت واستعمرت بلاداً كثيرة لا استثني منها السودان (1821-1885)، وهذه هي اسطنبول الفاتنة والساحرة كما وصفها لي أحد الأصدقاء.
سُحتُ في الوجوه التي زغللتني من كثرتها، ورغم عدم منطقية خواطري؛ إلا أنني ظننتُ أن كلّ من أراهم في المطار هم أتراك! وطفقتُ أبحث في الوجوه عن أثر الاستبداد العثماني الذي جعل العثمانيين يحتلون بلدي وغير بلدي من البلاد، وفي ذهني ذاك التعالي والترفُّع على الناس الذي نُمِّطت عليه الشخصية التركية في المسلسلات والأفلام المصرية، وتساءلت إن كانوا في فترة استعمارهم لنا على ذات النهج الاستعلائي، أم أن الأتراك في مصر غير الأتراك في السودان!
تركتُ التاريخ خلفي ووقعت أسيرة الراهن، بدأت أطابق الوجوه التي أراها ـ والتي افترضتها تركية ـ أطابق بينها وبين الوجوه في ذاكرتي الفوتوغرافية للممثلين والممثلات في المسلسلات التركية الرومانسية المدبلجة، أقارن بينها وأبحثُ عن ملامح مشتركة، وعن شبهٍ بين ما أراه حيّا بكافة أبعاده أمامي ووجوده الفيزيقي المحقَّق، وبين صور ذاكرتي المطموسة، المرتبكة والشكّاكة، ولكني لم أخرج بشيء؛ فلم أجد من يشبه مهنداً أو من تشبه سمر، ونسيتُ أن أبحث في مكتبة ذاكرتي عمن يشبه أورهان باموك أو إليف شفق! يا لهذه الميديا ودأبها على برمجة الذاكرة وحشوها بما ترغب!
أعترفُ أن ذلك البحث اليائس في الوجوه وكتاب (بعض الظَّن) للشاعر طارق الطيِّب قصَّرا عليّ ساعات الانتظار، ولَهَياني عن الأشواق التي كانت تلحُّ عليّ طاويةً المسافة بين تركيا والجزائر. ابتسامةٌ ارتسمت على شفتيّ للمفارقة: في أن أسافر إلى بلدٍ عربي أفريقي على ذات خارطة قارتي أفريقيا عبر آخر أوربي!
الجزائر من البلاد التي أحبها، لا ينحصر هذا الحب في إعجابي الشديد بالتجربة الجزائرية في إجلاء الاستعمار الفرنسي، والصمود والإصرار العنيد العتيد على التحرُّر، ليس هذا فقط، إنما ينفتح هذا الحب ليحوي تلك العلائق الإنسانية، الإبداعية، الجمالية، الوجدانية التي تربطني بصديقات وأصدقاء جزائريين، الذين هم من مكاسب وجودي الآني.كذلك يتفرع حبي للجزائر في نواحٍ عديدة تبدأ بالأرض الجزائرية من حيث جغرافيتها وطقسها، وتمر عبر إعدادي لكتاب (مختارات من الشعر السوداني في الثورة الجزائرية)، مكنني من رؤية الجزائر في عين شعراء بلادي وقرّبني إليها،  ولا ينتهي الحب بلهجةٍ جزائرية تستفز جهلي لمعرفتها وتفكيك جملها كي أفهمها.
قبل أن أطأ أرض تلك البلاد، اتصلتُ بصديقتي الشاعرة الجزائرية حبيبة العلوي من الطائرة، رغم تعبي ومتطلبات جسدي من راحة ونوم، إلا أنني كنتُ متشوقة للالتحام بأرضها، لذا مكثت في الفندق ساعة أو أكثر بقليل قضيتها في انتظار حبيبة ومداهمات نوم تقطّع على أنصال الشوق.
ذهبنا سيراً نقصد مقر معرض الكتاب، صحبة (سيدي) شقيق صديقتي، ـ تناديه حبيبة (سيدي) وصرتُ أناديه مثلها ـ أثناء سيرنا كنتُ أقف لأعبئ صدري بهواء الجزائر، وعيناي تسابق قدميّ وتتعثران بهما. كانت المنطقة المحيطة بالفندق ومقر المعرض في طرف المدينة، بعيدةً عن الناس، هي جميلة، خضراء وهادئة، ولكن ليس هذا ما جئتُ لأجله فقط. 
التقينا في المعرض بالصديق الشاعر الجزائري أبوبكر زمال، لم يكن العثور عليه سهلاً هذا الشاعر القلق، الذي أشعر كلما رأيته أن هناك ما يشغل باله ويأخذه مما حوله. كان الناسُ على أعتاب الخروج، فلم نأخذ جولة واسعة في المعرض، لكن قبل خروجنا سرني لقاؤنا بالروائي والناشر الجزائري بشير مفتي في جناح منشورات الاختلاف.
كانت غرفتي بالفندق تطل على البحر، في مدينتي ليس ثمة بحر، فيها نيل، لا بحر، يمر بها النيل الأزرق الهادر في فصل الخريف، لكن ماءه يقل في بقية الفصول، وبيتي بعيد، ليس قرب النهر، كذلك لا يطل على بحر. كانت غرفة مثالية، وأظنني محظوظة في غرف الفنادق، تلك المطلة على الماء، ما فتئتُ أقيم في غرف مماثلة أوقات السفر.
في الفندق كُتاب ومبدعون كثر، قدموا من أوربا وأمريكا وبلدان عربية وغير عربية عديدة، لحضور الصالون الدولي للكتاب والمشاركة في فعالياته المختلفة من قراءات شعرية وندوات وملتقيات وتقديم أوراق.
نداءٌ قوي يشدني إليه، نداء آخر غير أجواء الفنادق، إنه نداء المدينة، نداء الناس والطرقات، وهذا ما أحبه في السفر، أكثر من الجلوس في الفنادق والتحدث؛ إنما أصحب من معي للتجوّل والتعرُّف على المدن. حديث الكُتاب جميل، لكنهم يسيرون بك وبينك وبين الأرض فراغ، تسير على بُسط الخيال والأفكار، تستمع للبطولات والمعارك، وتتورط في السجالات، وما أردتُ هذا الطفو، بل رغبتُ الانغراس في الأرض أولاً، ملامستها والإحساس بها، معرفتها على طبيعتها وبساطتها، دفئها وصدقها، ويتحقق ذلك مع الناس ووسطهم.   
(سيدي) دليل سياحي بامتياز، يحفظ تاريخ الجزائر ومعالم العاصمة، قادنا في طريق يحاذي البحر، ومن داخل السيارة دلّني على مقام الشهيد الواقف بشموخ والذي سأزوره لاحقاً.
الشوارع كانت شبه خالية، عرفت أن الجزائريين يذهبون مبكراً لبيوتهم، وقد يساهرون داخلها، ظننتها خصيصة فرنسية، ففي أوربا تكاد الشوارع تخلو من الناس في الليل عدا أيام العطلات، ولكن أخبروني إنها إفرازات سنوات الإرهاب، حيث يهجع الكل باكراً حفاظاً على حياته.
في البيت في منطقة باب الواد، استقبلتني (يُمّا) بترحابٍ بالغ، وكانت هناك شابة جميلة هي بثينة، وتذوقت الكًسكسي على يد (يُمّا) لأول مرة في حياتي. ثم حدثوني عن الصحراء الجزائرية، عن عاداتها وتمرها وتحديداً تمر (دجلة نور) وهو من أطيب الأنواع. حكت لي (يُمّا) عن ذكرياتها وهي طفلة، عن أيام الاستعمار الفرنسي، وعن بن بلَّا والشاذلي الذي اكتشفتُ مقدار حب الجزائريين وتقدريهم له، عن بعض بطولات النساء ومساعدتهن للمجاهدين، وحتى عن تداعيات الأزمة التي دارت بين الجزائر ومصر على أرض السودان، وكيف مكّنت تلك الواقعة الكروية إظهار الحب الكامن للجزائر ولأرضها والغيرة عليها لدى الجزائريين؛ فالجزائري لا يعبِّر عن عواطفه بسهولة وسلاسة ولا يظهرها، كما عرفتُ.
في الصباح بعد سهرة دامت حتى وقت متأخر جداً، خرجنا ـ حبيبة وأنا ـ صحبة (سيدي) في جولة في باب الواد عبوراً حتى كنسية السيدة الأفريقية، مررنا بطرقات ضيقة وغير مستوية، فالأرض جبلية، تصعد السيارة وتهبط وتدخل في طرقات ضيقة يكون تقديري لها أنها أضيق من أن تمرر سيارة، لكنها تمر! مررنا بمدارس ثانوية وابتدائية أسوارها عالية تتوسطها أبواب صغيرة مقارنة بحجم الأسوار، التي بدت لي تشابه أسوار القلاع، من بين هذه المدارس ثانوية فرانز فانون (1925-1961) صاحب كتاب "معذبو الأرض" وسُميت المدرسة باسمه تكريماً له؛ لأنه كان من المناهضين للاستعمار الفرنسي للجزائر.
كان حال الشارع مختلفاً عنه في الليل، ضاجاً بالحركة والصخب، الناس في بيع وشراء، البعض يجلس أمام المتاجر وبعض الصغار يلعبون الكرة، وآخرون محمَّلون بأكياس الخضار والخبز، كان اليوم جمعة والحركة دائبة حتى صعودنا إلى السيدة الأفريقية، هذا الأثر الذي بُني عام 1872 والذي من خلاله أراد الفرنسيون توطين أنفسهم في الجزائر، اختاروا لها مكاناً رائعاً بالفعل، مكاناً مرتفعاً (128 متراً عن سطح البحر)، منه ترى الكثير من المواقع، مقابر المسلمين والفرنسيين وبينهما مقابر اليهود، استاد عمر حمّادي العتيق، ترى البحر الممتد والمنارة وبعض السفن في عرض البحر، ترى المباني والبيوت المنتشرة على الجبال المحيطة، ترى باب الواد هذا الحي الذي يفخر به ساكنوه لما لعبه من دور بطولي ووطني كبير.
كنيسة السيدة الافريقية 1872 
 السيدة الافريقية كنسية ضخمة، إن نظرت إليها من تحت تشعر وكأنها على حافة الجبل، ذات تصميم معماري جميل، مزينة في الأعلى بشريط زخرفي عريض باللون الأزرق والأبيض والرمادي، داخلها يقبع تمثال مريم العذراء البرونزي الضخم. السيدة الأفريقية مكان هادئ، تحيط به الأشجار العالية ويحفه الجمال، مما يستفزك للبقاء فيه طويلاً رافلاً في جُبة الصمت والتأمل، وغائصاً في فيض الطاقة الروحية الذي يغمره.
بعد أن تجولنا في وسط المدينة وعبرنا بمنطقة ترفرف فيها الكثير من الأعلام، هي منطقة السفارات. ذهبتْ حبيبة العلوي لتوقيع ديوانها (قهوة مرّة) وذهبتُ أنا إلى الفندق لتقديم ورقتي ضمن ملتقى الأدب والتاريخ، التقيتُ بالروائي الجزائري واسيني الأعرج، وبالصديقة الإعلامية والكاتبة فائزة مصطفى والروائي المصري محمد العشري ورأيت سعدي يوسف الشاعر العراقي والعديد العديد من الكتاب والكاتبات.
اليوم التالي خصصناه لجولة واسعة في العاصمة، ذهبت مع حبيبة لمبنى البريد المركزي الذي بُني في عام 1913، شيدته فرنسا ولكنه على الطراز الإسلامي (النيوموريسكي). مبنى دائري مطلي باللون الأبيض من الخارج، ومزخرف بالزخرفة الإسلامية في الداخل، تنتشر (لا إله إلا الله) في كافة الزوايا، والعديد من الأعمدة الدائرية التي تربط بين السقف والقاعدة، بدا لي أشبه بالمساجد من حيث التصميم الداخلي، مع الفروقات.
قضينا بعض الوقت في ساحة البريد المركزي، حيث المكتبات في الهواء الطلق، كتب كثيرة منتشرة على الطاولات الكبيرة، كتب مستعملة يُعاد بيعها، بالعربية والفرنسية، كتب من شتى المعارف ومختلف الأجناس الأدبية.
ثم ذهبنا إلى الجاحظية، حيث لا إكراه في الرأي، وهي جمعية ثقافية أُسست عام 1989، أسسها الروائي الراحل الطاهر وطار (1936-2010). مكان بسيط، وقاعة صغيرة محاطة في الأعلى بنهج الجمعية وهي منهج (لا إكراه في الرأي) مكتوب بخطٍ أقرب إلى الخط الكوفي على جوانبها الأربعة، وتعلوها صور وبورتريهات لفنانين ومثقفين وكتاب جزائريين، وينتشر بين الصور العلم الجزائري في حجم صغير. يفتح على هذه القاعة مكتب المدير والمطبعة ومكتب آخر، وهناك صالة الاستقبال التي تقودك لقاعة الندوات بها طاولة طويلة عليها كتب عديدة وإصدارات الجاحظية المختلفة، وملحق بكل هذا مطبخ وكافتيريا صغيرة. صور الطاهر وطار في بوسترات لفعاليات عديدة ترحب بك، كما كان يرحب بالزوار قبل رحيله، جلستُ على مقعد من مقاعدها السوداء المكسو مسند ظهرها بقماش أحمر، وتنفّستُ في فضاءٍ تنفّس فيه الطاهر وطار، جسّد فيه حلمه ورؤاه وأسسه بالجهد والتعب فكان الجاحظية، مكان صغير، لكنه بؤرة ضوء تنشر ضياءها في الجهات كلها.
في السوق وليس بعيداً عن الجاحظية، ـ فالجاحظية لم تقع في مكان منعزل، بعيد عن الناس، إنما وسطهم فهي منهم ولهم ـ في تلك المنطقة النبض الحيّ مازحنا بائعي الخضار والفواكه، وتعرفتُ على أصناف عديدة من الفواكه المتوسطية، وتقدّم لخطبتي أحد الشباب، وابتعنا عدداً من الجرائد عربية وفرنسية طلبها صديق صحفي في السودان ليكوِّن فكرة عن الصحافة في الجزائر. 
ثم كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، تلك التي ركبتُ فيها (تلي فريك) لأول مرة في حياتي، صندوق صغير يجري على الحبال ويربط بين الجبال. تسحرني المناطق المرتفعة، سحرتني قرية دوما بلبنان كما سحرتني تشكيلة الأضواء ليلاً في الأردن وهي متدرجة صعوداً وهبوطاً في الجبال، تسرق نظرك وتحوز إعجابك وأنت في طريقك ليلاً داخلاً على عمان أو خارجا منها.
(التلي فريك) كانت تجربة نهارية مذهلة، لم اعتد رؤية الأشجار التي تحاذي الجبال طولاً، في بلدي هناك جبال، في الشرق سلسلة جبال التاكا، والغرب سلسلة جبال النوبة وأقصى الغرب جبل مرة حيث مناخ البحر الأبيض المتوسط، في الشمال صحراء، والجنوب غابات ومناخ استوائي، أما الوسط حيث أقيم فإنها أرض زراعية منبسطة لا علو فيها سوى للبنايات القليلة، لذا فإن المناطق المرتفعة تعجبني؛ لأني ما اعتدتها ولأنها تشكِّل جغرافيا مختلفة بالنسبة لي.
مقام الشهيد
 صعدنا لمقام الشهيد، هذا النصب الضخم، الذي يبلغ ارتفاعه 92 متراً، والذي تمَّ بناؤه عام 1982 وصممه الفنان الجزائري بشير يلس. يطل مقام الشهيد على البحر وهو في أعلى العاصمة الجزائرية، ويتكون من ثلاث سعفات نخيل متباعدة في قاعدتها تميل مقتربة من بعضها حتى تلتحم ثلاثتها في الأعلى، تصميم فريد لتكريم شهداء الثورة الجزائرية والشهداء الذين سقطوا طيلة سنوات الاستعمار الفرنسي. في الليل يمثل المقام لوحة فنية ضوئية يغلب عليها الأصفر تراها من أقصى مكان في العاصمة. يتوسط مقام الشهيد قاعدة دائرية من الرخام الداكن في قلبها المشعل الذي يحيط به غصنان من المعدن المنحوت يتقاطعان عند نهايتهما وكأنهما سيفين، داخل هذا التقاطع نُحتت على قاعدة مستطيلة: (المجد والخلود للشهداء).
المقام يجلس على متحف المجاهدين، الذي تستقبلك فيه سورة الفاتحة تُقرأ على أرواح الشهداء، وكأنك تصافحهم من خلالها، وعلى الحائط كلّ آيات الجهاد في القرآن، مخطوطةً باليد ومتوزعة في محيط القاعة الدائرية المطلية باللون الأسود والمضاءة بإضاءة مميزة. السواد والإضاءة والآيات الجهادية والخط العربي الإسلامي والصمت والهدوء يشعرك فعلاً أنك عند مقام شهيد.
داخل المتحف الكثير من الأدوات الحربية، بنادق، مدافع، بقايا ألغام، وغيرها الكثير، ومعروضات لاسلكي وراديو وأجهزة كانت تستعمل في الاتصال بين المجاهدين. وقسم خاص بمتعلقات المجاهدين من أحذية وألبسة وعباءات وخوذات ومسدسات، وفي غرفة مدهشة تجسيد للخط الحدودي المكهرب الذي بناه الفرنسيون لمنع الإمدادات من دول الجوار، ترى منحوتات لمجاهد مستشهد وآخر على وشك عبور الخط، وترى كيف كان يحفر المجاهدون خنادق تحت الأرض لفكّ السلك المكهرب ليعبروا إلى ما وراء الحدود، رغم ما تنطوي عليه هذه العملية من خطورة كبيرة أودت بحياة الكثيرين، لكن لم يكن هذا تحديداً ما يثني المجاهد الجزائري عن إكمال رحلة كفاحه وجهاده لتحرير بلده. وغرفة أخرى تحوي صور الشهداء والشهيدات والقادة الجزائريين من مختلف مناطق الجزائر، ومختلف الأجسام التي ينتمون إليها، ومن مختلف المراحل منذ بداية الاستعمار حتى التحرير بما فيهم من صاروا رؤساء للبلاد لاحقاً كالرئيس أحمد بن بلّا والشاذلي.
في البدء تساءلت عن مغزى إقامة متحف للمجاهدين، من يحتفي بالحرب إلى هذه الدرجة؟ وهل يؤشر هذا إلى عنفٍ ما في الإنسان الجزائري؟
 لكني لاحقاً خجلتُ من تساؤلاتي هذه؛ لأن مما رأيته وعرفته أدركت عظمة هذا الشعب ومقدار التضحيات التي قدّمها، وأن المتحف ما هو إلا تكريمٌ وتخليدٌ لهؤلاء الشهداء، وأنه رسالة الأحياء للشهداء العابرين تخبرهم مقدار التبجيل والتقدير والحب المكنون في الصدور تجاههم، هو رسالة الأرض إلى السماء.
 عندما تفاجئني الحياة بالخبايا والهدايا الصغيرة اللطيفة ملقاةً على الطرقات، يخطر لي: هل الصُّدف صدفٌ حقَّاً، أم هي الأقدارُ تخدعنا بشبهةِ الصُّدف؟ آهٍ لو كُشفتْ الحُجب! ماذا لو كُشفتْ الحُجب؟
عند القدريين، الصُّدفة ليست صدفةً فقط، إنما هي أحداث مكتوبة ومقدَّرة سلفاً، أما عند غيرهم قد تكون الصدفة مجرد حدث عابر قد يحدث أو لا يحدث، دون محمولات وتفاسير أو اعتقاد أنها مدونة ضمن صيرورة الأحداث. لكن الصدفة بالنسبة لي فإنها تؤسس لما بعدها، ولو بعد حين، قد تغيِّر مصائر أناس، وتعيد تشكيل حياة آخرين، تلوّن حياة البعض وتدمر حياة البعض الآخر، قد تكون سبباً في البناء أو الهدم.
قبل كل هذا، التقيتها صدفةً معيَّة الشاعر أبوبكر زمال، سألني إن كنت قد تعرّفتُ عليها، فقلت له: للأسف لا.
إنها الشاعرة والمترجمة الإيرانية مريم حيدري، لم تقف تلك الصدفة هنا، لم تقف أبداً، إنما ذهبتْ بعيداً، بعيداً جداً، لمناطق ما تخيلتُها، لانسجام وصداقة ومحبة عميقة وضحكات ونكات ومشاريع مشتركة، خيبات وآمال وأحلام.
في الفندق بعد أن غادرتني حبيبة كان معي الصحفي والكاتب الاريتري محمود أبوبكر، وجدت الناشرة المصرية فاطمة البودي التي نشرت لي مؤخراً روايتي (ابن الشمس)، التقيتُ ومازحت الشاعر الجزائري بوزيد حرز الله والشاعر المغربي إدريس علوش والشاعر ميلود حرز الله، ثم أخبرتني مريم أنها ترجمت لي نصاً للفارسية منذ ثلاث سنوات واندهشت؛ لم يكن لدي علم.
في الليل ذهبنا على دعوة عشاء رسمي، كثرت فيه البروتوكولات، لكن طاولاتنا كانت الأكثر ضجيجاً ومرحاً وحياةً، ضمّت حسينة كاتبة ورئيسة تحرير مجلة في فرنسا، الصحفي والكاتب الأريتري محمود أبوبكر وزمال ومريم وأنا، تأكد لي خلال تلك الليلة أن البساطة هي الطعم الأحلى.
في الحياة أشياء تحب أن تكررها، وأخرى ترغب في الابتعاد عنها، وأخرى تخاف إن كررتها أن تضيع ملامح التجربة الأولى وتنطمس، ليس لأنها جميلة، وإنما لأنك لست واثقاً من ديمومتها على حالتها الأولى وتأثيرها العميق عليك. عني، أرغب في تكرار رحلتي إلى الجزائر، لأني أعرف وأثق أن الجزائر تخبئ لي الكثير الكثير، وأنها ستفاجئني مراراً وتكرارا، لن تملّ ولن أملّ. أرغب في العودة إلى الجزائر وزيارة الصحراء والأوراس والشرق الجزائري وقسنطينة، التي تمنيتُ بشدِّة زيارتها، ولم أفعل، لكن تظل هذه الأمنية معلقةً على مشجب الأماني واجبة الإشباع.
في اليوم المقرر لسفري ذهبنا إلى مطار الجزائر معي الروائي الهادئ الخلوق محمد العشري، رافقتني الأماني وضحكات مريم، وبدأت رحلة العودة إلى السودان، لكن عبر القاهرة هذه المرة، وبيدي كتاب شعري للشاعر الإيراني أحمد رضا أحمدي، من ترجمة مريم حيدري.
ثمة لقاءٌ عابرٌ على الطريق يصير هو الطريق.
http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k4\2013-05-13\50.txt&storytitle=

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق