الجمعة، 28 ديسمبر 2012

قراءة في الشارقة

نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة مساء أمس الأول أمسية أدبية اشترك فيها الكاتب عبد الفتاح صبري والكاتبة السودانية رانيا مأمون، وقدمت لها الشاعرة السورية أمان السيد .

كان جديد عبد الفتاح صبري الذي أضافه إلى صورته كناقد وكاتب قصة هو قراءاته لمجموعة نصوص سماها “نصوص مفتوحة«، وهي عبارة عن نصوص قصيرة ولقطات سريعة في جمل موجزة، فيها تأمل وانفعال بالحياة، وإعادة النظر في أشيائها العادية المنسية والمحتجبة بقربها، كرمزية الباب والوسادة والظل وإيحاءاتها تلك الأشياء، وما يثيره كل واحد منها في نفس الكاتب، ويتركه لديه من معان .

جال عبد الفتاح بين الفرح والحزن والحب والتبرم والقهر والاستغلال راصداً ارتسامات تلك الأحوال النفسية في مشاهد الحياة اليومية، وقد قصد أن يجعلها نصوصاً حرة ليخرج من إشكالية التجنيس كما قال وليجعل مقاطعه حرة مستقلة عن كل تصنيف، ومفتوحة على تأويلات عدة، ومع ذلك فهي تصب في إطار موجة نصوصية اجتاحت الشعر العربي في العقود الأخيرة مع شيوع نصوص المقطوعات التأملية القصيرة المأخوذ تارة عن الهايكو الياباني وتارة عن أصول شعرية يونانية، ويمكن أن نجد لها جذورا في الاستعمال البلاغي العربي، في ما عرف بحسن التعليل، أو في تفسيرات المتنبي ومبالغاته، وهي موجة في الكتابة لم تعط بعد حقها من الدراسة لمعرفة اتجاهاتها وتياراتها، وخصوصيات كتابها، من أجواء نصوصه يقول عبدالفتاح، تحت عنوان “أخلاق الأبواب«:

بواب البناية

يعرف أسرار كل الأبواب

ويفشيها

وباب الشقة

يدرك كل الأسرار

ويخفيها .

أما الكاتبة رانيا مأمون فقرأت قصة قصيرة وفصلاً من رواية، ونصاً وصفياً لمدينة الخرطوم، في القصة القصيرة المأخوذة من مجموعتها “ثلاثة عشر شهراً من الشمس”تروي حكاية الموت الذي يسرق الوالد من بين يدي طفلته الصغيرة، وهي تمرر يدها باستمرار على جبينه من دون أن تدرك حقيقة ما يجري له، ومن دون أن تلاحظ التغير الذي طرأ على وجوه أفراد أسرتها من حولها، واستعدادهم لهذا الحدث الرهيب، والهلع البادي على نفوسهم، لا يهمها سوى أن تظل يدها تروح وتجيء تجرف بأصابعها الغضة سيل العرق عن ذلك الجبين الذي أحبته وتعلقت به، ولن تدرك أن الموت مر من تحت أصابعها واختطف والدها، إلا بعد ذلك بسنوات حين تكبر وتعرف حقيقة ومعنى ذلك الزائر الرهيب .

وفي الفصل الذي قرأته من روايتها “ابن الشمس”تتبعت برهافة وسبر نفسي أوضاع رجل يعيش على هامش الحياة، بلا أصدقاء ولا زواج، ولكنه يلتصق بالحياة عن طريق قراءة استبطانية لشخصيات كل من يصادفهم في الشارع أو الحافلة أو المستشفى، وذلك بالتدقيق في ملامح أذن كل واحد منهم، فالأذن توحي له بكل شيء، وقد نجحت الكاتبة في ذلك الفصل في تحفيز توقعات القارئ للفصول المقبلة من روايتها التي يمكن أن تعطي دلالة ما لانفصال الشخصية عن الحياة واتصالها بها عن طريق عادة نفسية غير عادية، أو هي مرضية .

وفي نصها الثالث، وهو نص وصفي أو ربورتاج تمكنت من رصد وتجميع التفاصيل الدقيقة والكثيرة المتناقضة لمدينة الخرطوم الساخنة الضاجة زوالاً، والباردة الهادئة أصيلاً .

ورانيا مأمون كاتبة شابة لها مواهب متميزة في مجال الكتابة السردية، من ناحية القدرة على الوصف والالتقاط وسبر أغوار النفس، مع سلاسة وتدفق أسلوبي.
7/11/2012

 نصوص مفتوحة ولقطات حية لصبري ومأمون في النادي الثقافي

ثقافة الغابة والصَّحراء.. تقرير المصير



رانيـا مأمـون

كتاب ومثقفون يتأملون مستقبل الثقافة بين الشمال والجنوب
                          الإبداع السُّوداني يقترب من الانفصال بين ثقافتي الغابة والصحراء
الإبداع السُّوداني يتميز بأنه نتاج لتنوع إثني وديني وثقافي وحضاري، خلق له هذا التميز ثراءً وغنىً، فهو وليد عدة حضارات (الحضارة السودانية القديمة على تنوعها، والعربية) وعدة ثقافات (الإسلامية والمسيحية والثقافات في الممالك النوبية القديمة) وعرقين هما العرق الزنجي الأفريقي والعربي المسلم.
في الستينات تكوَّن تيار ثقافي باسم (الغابة والصحراء) شكَّل فكراً وتعاطياً وسطياً بين فريقين، الفريق القائل بأفريقية السودان، والثاني الذي قال بعروبة السودان، وفي هذين الرأيين خلافاً لطبيعة الواقع، فالسودان بؤرة تلاقى كما يتضح تالياً.
ظهر هذا التيار الإبداعي الفكري ليقول بامتزاج هذين العنصرين الذين يكوِّنان الإنسان السوداني دماً وثقافةً وتاريخاً، وهما الدَّم العربي والدَّم الأفريقي بما يحملانه من مكونات دينية وثقافية وحضارية. وامتزاج هذان العنصران بمحمولاتهما يكوِّنان السُّودان والثقافة السُّودانية. حمل راية هذا التيار مجموعة من الشعراء على رأسهم: محمد المكي إبراهيم، النور عثمان أبكر، محمد عبد الحيّ ويوسف عيدابي هذا الشاعر والسينمائي والمسرحي الذي ظُلم إعلامياً لغيابه الطويل عن السودان، رغم أنه من مؤسسي هذا التيار، وصاحب مشروع: المسرح لعموم أهل السودان لاحقاً امتداداً وتأكيداً على طرح الغابة والصحراء.
الغابة ترمز للمكوِّن الأفريقي، والصحراء للعربي، أثَّر هذا التيار تأثيراً عميقاً في الهوية السُّودانية وتأصيلها، ونتج عنه زخماً إبداعياً متميزاً سواء كان للشعراء المؤسسين أو لغيرهم من الشعراء والكتاب والفنانين في الأجيال اللاحقة. وككل فكر هناك مؤيد ومعارض، ولكن هذا التيار مازال صامداً في بنية الوعي والفكر لشريحة عريضة من السودانيين.
يشهد السُّودان هذه الفترة منعطفاً تاريخياً وسياسياً خطيراً ومؤثراً، ليس داخلياً فحسب، وإنما إقليمياً وعالمياً؛ حيث ستُضاف دولةً جديدة لعدد دول العالم، وقُطراً أفريقياً مجاوراً للأقطار التسعة التي جاورت السودان منذ تقسيم حدوده إبان الاستعمار البريطاني الذي انجلى في يناير1956م، هذا المنعطف هو تقرير مصير جنوب السُّودان من خلال استفتاء كان هو أحد أهم بنود اتفاقية السَّلام الشامل في نيفاشا 2005، والذي بموجبه يحقُّ للجنوبيين تقرير مصيرهم، إما وحدة ضمن الوطن الكبير والذي طالما كانوا مواطنين فيه، أو انفصال وتكوين دولة جديدة لها سيادتها.
حاولنا في هذا الاستطلاع الوقوف على آراء المبدعين والمثقفين السودانيين عن تأثير هذا الانفصال على الثقافة السودانية، فالجنوب ليس بعيداً تماماً عن هذه الثقافة وإن كان مهمشاً على اختلاف تعاقب الحكومات في السودان، رغم هذا التهميش فقد كان موضوعاً للإبداع للكثيرين من مبدعي الشمال، ولا يعني هذا غياباً تاماً للإبداع الجنوبي، لا، بل هناك مبدعون جنوبيون فاعلون في الثقافة والإبداع في السودان، وإن كانت للغة التي يكتبون بها دوراً في عدم انتشارهم في الشمال؛ فمعظم كتاب الجنوب يكتبون بالإنجليزية، عدا نذراً يسيراً منهم القاصة المبدعة ستيلا قايتانو والتي ولدت وعاشت كل حياتها بالخرطوم، أيضاً من الذين يكتبون بالعربية آرثر غبريال، ومن الكتاب بالإنجليزية تجد: فرانسيس دينق، جونثان ميان نونيق، اغنيس لاكودو، يا كوب جل أكول، فرانسيس فليب، أتيم يا ألك وتعبان لولينق الحاصل على جائزة البوكر لشرق أفريقيا، وغيرهم كُثر وقد ذكر الناقد معاوية البلال في (كتابة الجنوب وجنوب الكتابة) الكثير من الكتاب الجنوبيين. أما في الفنون تجد فرقة كواتو الموسيقية التي تؤدي الرقصات والأغاني الشعبية والتي تطورت من فرقة فنية إلى مركز ثقافي وهذا يدل على وضوح الرؤية وطموحها، ونجد أيضاً فرقة ورباب الموسيقية التي تعنى هي أيضاً بالفنون الشعبية. أما  في المسرح تجد فيه على سبيل المثال من الفانين الجنوبيين المخرج السماني لوال أرو، ومن الأعمال الفنية مسرحية مأساة يرول التي كتبها شمالي وأخرجها جنوبي هو السماني لوال.
بالانفصال نفقد قسماً كبيراً من الإبداع السُّوداني، ولا أدري إن كان سيُصنف على أنه إبداع سوداني في الرَّصد والتوثيق للإبداع السوداني لاحقاً أم سيُصنف على أنه إبداع خاص بالدولة الجديدة التي لم يُحدد اسمها بعد!
كثيرة هي العلائق بين الشماليين والجنوبيين (علائق زواج ومصاهرة وأبناء نتجوا عنها، علائق تجارة، علائق انتماء لمكان ولادة وصبا وتعليم، علائق صداقة وحب، علاقة وطن واحد، جنسية واحدة وجواز واحد) ولا أظنها ستنفرط بفعل سياسي وجغرافي وعرقي مع استصحاب أن ليس شمالييّ السودان هم عرب اقحاح، وإنما يجري فيهم الدَّم الأفريقي أيضاً.
تباينت الآراء في هذا الاستطلاع، ولكنهم أجمعوا على أن الأفريقانية لن تمِّحي من الثقافة السودانية. توجَّهتُ بأربعة أسئلة هي: غالباً ما تشكَّل هيكل الثقافة السُّودانية من عنصري الغابة والصحراء، كيف تنظر إلى ملامح الثقافة السُّودانية بعد الانفصال؟ ما هو تأثير الانفصال على خارطة الثقافة السودانية برأيك؟ في ظل خطاب عروبي إسلامي هل تتوقع أن تذوب السِّمة الإفريقية التي شكَّلت البُعد الثاني في الثقافة السودانية وميَّزتها في خضم هذا الخطاب ولو بعد حين؟ وأنهى الجميع كلامهم بحلمٍ ذاتي لكل واحد منهم استناداً على السؤال: كمبدع ومثقف سوداني ما هو حلمك على المستوى الذاتي للسُّودان وثقافته؟
سوف يصغي لهم العالم باهتمام
الشَّاعر محمد المكي إبراهيم _ الولايات المتحدة
عاش الجنوبيون طيلة بقائهم معنا على هامش المجتمع لا تسمح لهم ظروفهم المادية بترف الإبداع ولا احد يريد أن يصغي إلى إبداعاتهم إن وجدت. أما الآن وقد تحرروا من الهامشية فان إبداعهم سيتزايد وسوف يصغي لهم العالم باهتمام، وبذلك تتكامل ثنائية الغابة والصحراء للمرة الأولى وتصبح ذات بعدين واتجاهين.
سوف نسمع من الجنوبيين زغرودة فرحهم بالخلاص، وذلك على هيئة أغان ورقصات، وعلى هيئة لوحات ومنحوتات، وبنفس الوقت سوف يزودوننا بكتاب فظاعاتنا وقسوتنا في زمن الاقتتال. ومن هذين العنصرين /الفرحة ومسلسل الفظاعة سنفهم عن ذاتنا الجمعية، ونعرف حقيقة ما ألحقنا بالجنوب والجنوبيين من الأذى البليغ على مدى عيشنا المشترك. ومن كل ذلك سنتعلم كيف نصبح بشرا أفضل وأخوة أفضل.
إن الأخوة العرب غاضبون منا أقصد من الحكم القائم الذي يعتبرونه سببا في تقليص الظل العربي وتجديد مأساتي الاندلس وفلسطين، وسيكونون  أكثر استعدادا للتعاطف مع المعارضين للحكم وذلك بدافع قومي لا يعرف المهادنة. ولا اعتقد أن العرب سيرحبون بإبداعات النظام الطالبانية في الدين الإسلامي، ومن الجهة الأخرى لا اعتقد أن للنظام إبداعا أو قدرة على الإبداع في اللغة العربية. وفي كل الأحوال كانت العربية وسوف تظل لغة السودان وهي بنفس الوقت اللسان الأول للإبداعات السودانية وبتوسيع قاعدتها يوسع النظام نطاق التلقي لإبداعنا وليس ذلك بالشيء الكعب. إلا أن السمات الأفريقية في ثقافتنا سوف تظل تتنامى رغم كل ذلك وبأيدينا نحن الكتاب والفنانون، فلعلك تلاحظين أن المجال الإبداعي ملكٌ خالص لنا نحن المثقفون، وليس للدولة فيه من يد كبرى، وعن طريق مفاكراتنا وترجماتنا وتدبيرنا سيظل الوتر الأفريقي في العقل السوداني مشدوداً على الآخر.
أرجو أن لا ندع الانفصال يرفع جدار برلين بين شقي الوطن، وان نعبر فوقه لنكتب نصوصنا للفنانين الجنوبيين، وأن يردد  فنانونا  أغاني الجنوب القادمة، وان نتولى ترجمة كتاباتهم وأن نراسل صحفهم ونتحدث في إذاعاتهم. وكل ذلك أملاً بتحقيق الحلم الذي جأر به مثقف سوداني ممتاز هو كمال الجزولي مناديا بقيام اتحاد بين دولتين مستقلتين، ووجد صداه في محاورة بين رئيس الجمهورية وفضائية الجزيرة.
قرار الانفصال سليم من وجهة النظر الجنوبية وكان لا بُدّ منه، ولكنني أحلم بالقفز فوقه إلى وحدة أعمق.

ثقافة الغابة والصحراء اعتقاد خاطئ
الروائي هشام آدم – القاهرة
في اعتقادي الخاص أن ظننا بأن الثقافة السودانية هي مزيج من ثقافة الغابة والصحراء هو ظن خاطئ، أو غير دقيق. فالثقافة السودانية لم تقم في أساسها على مكوّنات خلاسية هجينة بين ثقافتين إحداهما عربية والأخرى أفريقية، هذا الاعتقاد يجعلنا ندخل الثقافة العربية قسراً في وصف الثقافة السودانية باعتبارها ثقافة أصيلة بينما لا أرى الثقافة العربية إلا ثقافة دخيلة، من حيث أنها ثقافة مستعمر حتى وإن لم يكن الاستعمار بالقوة العسكرية، وهنا يجب التفريق بين العروبة وبين الإسلام إذ لا أجد أي علاقة بينهما خارج إطار الديانة الإسلامية في الجزيرة العربية، فالإسلام لم يدخل السودان بوصفه أحد عناصر الثقافة العربية، بل بوصفه ديانة فرضت نفسها على الساحة العالمية في ذلك الوقت، واجتذبت قطاعاً واسعاً من الجماهير والشعوب، وارتباط اللغة العربية بالإسلام هو ما يتسبب لنا بخلط واضح بين العروبة وبين الإسلام. ومن هذه الناحية فإنني لا أرى أن ما أثر على السودان -كمجتمع أفريقي- ليست هي الثقافة العربية بل الثقافة الإسلامية، وإن كانت المقولة تعني بالـ(الصحراء) الديانة الإسلامية، فهي مقولة صحيحة ولا غبار عليها، ولا أرى –عندها- الثقافة السودانية متأثرة -بقليل أو كثير- بعملية الانفصال، لأن الانفصال رغم تمظهراته السياسية والاقتصادية والطبوغرافية إلا أنه انفصال ديني في المقام الأول كما أراه، وسيظل المكوّن الأفريقي موجوداً سواء انفصل الجنوب أم لم ينفصل، لأن الأفريقانية هي الأسبق على الإسلاموية في السودان. 
عني شخصياً، لا أعتقد أن خارطة الثقافة للسودان سوف تتأثر كثيراً بعملية الانفصال، لأن المنتوج الثقافي الجنوبي كان – حتى قبل الانفصال- مهمشاً بصورة غير معلنة وغير صدامية، وغياب هذا المنتوج عن الشمال السوداني لن يُؤثر فيه، وإن كنت أرى أثره الإيجابي واضحاً في الجنوب بعد الانفصال، هذا إن كانت حكومة جنوب السودان سوف تولي الشأن الإبداعي والثقافي أولوية ضمن برامجها، وإن لم تكن تنوي اتباع سياسة الشمال في تعاملها مع العنصر الثقافي والإبداعي بشكل عام. إلا أنني أعتقد أن الانفصال (سواءً للشمال أو الجنوب) سوف يخلق حالة من الانتعاش الإبداعي والثقافي عبر إنتاج موضوعات وثيمات سوف تضاف إلى قائمة الأغراض والموضوعات الثقافية الموجودة حالياً، وأعني بذلك الموضوعات المتعلقة بالاغتراب الداخلي أو ما قد يُمكن تسميته بأدب المنافي أو أدب الاختلاء الوطني.
لم تكن الأفريقانية في يوم ما السمة الثانية في السودان، فلطالما كانت الأولى، حتى وإن تم إنكار هذا الأمر رسمياً او شعبياً، فالثقافة المستعلية غالباً ما تفرض سطوتها، محاولة بذلك إلغاء وإقصاء الثقافة القديمة، ولكن تظل الحقيقة أن الأفريقانية ظلت تلعب دورها الفاعل في جميع المناحي والمناشط الثقافية في السودان، سواء في الفن أو الأدب، ولا أتصور أن هذه السمة سوف تذوب قريباً؛ إذ لا أرى الخطاب العروبي الإسلامي قابل التحقق بكلياته في السودان، وإلا لتحقق ذلك في عصور كان فيها الخطاب الديني العروبي أقدر على فعل ذلك ولو بالقوة. الأفريقانية في السودان ليس سمة بقدر ما هي هوية، وليس من السهولة محو الهوية وإسقاط بديل لها، إلا كمظهر خارجي كما هو الحال الآن.
على الصعيد الشخصي، أحلم أن ينهض السودان ويرتقي درجته التي يستحقها على جميع المستويات؛ لاسيما الأدبية فهو وطن زاخر بالأدباء والكُتاب والمثقفين اللامعين، كما أن الأدب السوداني قادر –بجدارة- على المنافسة عربياً وعالمياً، ولن يكون ذلك إلا في مناخ من الحرية الكاملة وغير المشروطة للكتابة والفكر. أحلم بقيام وطن علماني يجتمع فيه أبناء الوطن الواحد من جميع الأديان والملل والألوان والعرقيات دون تفريق أو تمييز أو عنصرية. أحلم بوطن يحترم الإنسان من حيث هو إنسان، وأن يسود قانون المواطنة الحقَّة.
لا يمكن أن نحصر الثقافة السودانية بين صحراء وغابة
الشاعرة إشراقة مصطفى – فيينا
انطلاقا من حقيقة التعدد والتنوع الثقافي لا يمكن أن نحصر الثقافة السودانية بين صحراء وغابة فقط، وإن كانت هي السمة الغالبة في تعريف الهوية السودانية. الخطاب السياسي الذي غلب على الثقافي حاول ونجح على مر سيطرة الأحزاب والحكومات الأحادية على القول والتأكيد على عروبية الثقافة السودانية. وفي ذلك مغالطات تاريخية. انظر إلى أمر الهويات السودانية بزاوية التمحور والتطور الذي اخذ بهويات السودانيين في مهاجرهم ومنافيهم المختلفة, إذ أن هذه البلدان الجديدة أتاحت للكثيرين الانطلاق بهوياتهم نحو هويات تتلمس في طريقها  نظرة مغايرة وتفكير أعمق لقضايا الهويات الثقافية في السودان, إذ أن تجاربنا في المهجر وتحويل الطاقة السالبة بسبب التمييز الذي يحدث بسبب اللون, المعتقد, النوع, التوجه السياسي, الدين الخ.. للتأمل في أوضاعنا الداخلية وأن نضرب بصخرة السؤال أن في هذا البلد (الآمن أهله) تهميش ونفي تمّ لسودانيين وسودانيات في رحم وطنهم, هذه المرارات أدت إلى كل ما حدث ويحدث من ثورات على الغبائن التاريخية.
لأني متفائلة أحلم بأن يكون الانفصال بداية حقيقية لتقييم تجاربنا كلها بشفافية وروح متحدية لبذر ثمار التغيير الحقيقي، الذي تقوده  قافلة الثقافات السودانية بخطى ثابتة وموحدة في أحلامها نحو ثقافة سلام حقيقية ينعم بها كل أهل السودان.
لا يمكن أن تذوب السمة الأفريقية مهما حاول الإعلام وأجهزة الثقافة الرسمية إقناعنا بأحادية الثقافة السودانية, لموازنة ذلك يتطلب الأمر  تنظيماً متقناً للمهمومين والمهمومات بشأن الثقافات السودانية, توحيد الجهود والخروج من حيز التنظير إلى الحيز العملي إنتاجاً وتفعيلاً. هذا يحتاج إلى فصل السلطات دستوريا عن بعضها واستقلاليتها التامة, يحتاج إلى تحول ديمقراطي حقيقي وأن تكون الحريات العامة مكفولة للجميع, فلا تغيير ولا إبداع حقيقي بدون الديمقراطية.
خارطة الطريق إلى المستقبل تحتاج توحد جهود المبدعين والمبدعات، وطالما حلمتُ كثيراً أن الفنون عموما وبكل أشكالها المختلفة قادرة على الخروج بنا من أزماتنا المختلفة. هذا لن يتم إلاّ بإزالة كل العراقيل التي تقف متاريساً منيعة أمام الابتكار والتجديد والخلق. حلمي الذاتي ينطلق من أحلامنا الجماعية وهمنا الجماعي وإيماننا بان الهويات الثقافية تظل دافعاً وأساساً إلى بلورة الهويات السياسية وليس العكس. إن بناء الموارد البشرية تحتاج إلى بناء متين للدولة سياسيا واقتصاديا. لملمة أطراف أهل الوجعة في المجالات الثقافية والفنية المختلفة هو نداء اللحظة، مستفيدين من كل الإرث الإيجابي للثقافات السودانية متجاوزين كل الهزائم والانكسارات، وهذا لن يحدث ما لم نحفر عميقا في اجتراحات هوياتنا المختلفة مواجهين ذواتنا بالتغييب الذي تمّ للآخر, الآخر الذي ما استكان ولن يستكين ولنا في الاستفتاء الذي تمّ خير دليل. إنه تحدي جسيم في ظل الواقع الحالي في السودان, حيث يحكم الفقر حلقاته يوما وراء يوم على الناس ويلهيهم عن أي فعل آخر سوى (حلة الملاح). لا يمكن للمبدع/المبدعة القيام بدورهم في التغيير بدون الاعتراف من الدولة بهم وبدورهم, فالدول التي تنشد فعلاً التغيير تعرف قيمة مبدعيها وتضعهم على قمة هرمها وتدعم برامجهم وتزكي فيهم روح الابتكار والتجديد بالدعم المادي والتفرغ.
الثقافة السودانية مصطلح زلق ومراوغ
الممثل والأكاديمي سيد أحمد أحمد - الخرطوم
إن الرؤية التي أنتجت هذا المصطلح في تصوري – كانت وبالرغم من حسن النية المعرفية- ولكنها ساهمت في خلق مساحات شاسعة لتأويل كان بنوا السودان في غني عنه، فضلا على  أن هذا المصطلح وان كان يعبِّر عن مكونات الثقافة السودانية، لكنه مصطلح زلق ومراوغ، فلك أن تتخيل أن من ينتمي لأي من هذين العنصرين ثقافياً على الأقل كان يضع في حسبانه أنه مختلف معرفياً وثقافياً وربما ايدولوجيا، ولم يتسنى له إن يفكر في إنتاج ثقافة تعبر عن ثنائية التكوين انثروبولوجيا وسايكولوجيا وسسيوسولوجيا، فطفق يبعد ذات الإحساس الأصيل بكونه زنجي عربي، ويتوحد مع الوهم بان ذاك المكوِّن الزنجي إنما هو عارض أو استثنائي ومؤقت، وإن طال الزمن فهو قد ينمحي من لا وعيه ووعيه الثقافي والمعرفي، وربما جعل مكونه المتأصل كأنموذج غريب عنه يحاول أن يتنكر له ويدعي أنه يتعرف عليه لأول مرة في بعض الأحيان. هكذا سادتي أتصور حقيقة وعمق الشاغل الثقافي الذي فطن له بعضنا ويحاول أن يلعب البعض دوراً إضافياً بأن المكون المسمي الصحراوي إذا جاز التعبير هو الذي عليه الرك والذي لا بد أن نلعب عليه ليكون مكوناً أساسياً لإنتاج ثقافة ما بعد الانفصال. وفي تصوري أن الانفصال قد بدأ منذ إنتاج هذين المصطلحين، فلماذا تطئون الحقيقة القديمة وتأتوا لتلبسونا حقيقة أخرى لنوهم أنفسنا بأننا ننتمي للصحراء ثقافياً! أقول: نحن مكوننا زنجي عربي، فلا بُدّ أن نكون ذاك التكوين وإن تضاءلت فرص رتق جانبي الوطن جغرافياً.
قٌسمت الحدود لكننا لم ننفصل
الكاتبة مها الرشيد – الخرطوم
          من الصعب بل من المستحيل أن أقول إننا انفصلنا، أجل  قُسمت الحدود، قُطعت، بُترت سَمِّها ما شئت ولكننا لم ننفصل، وجدانياً ما زال هنالك الكثير، تاريخ مشترك، الأحداث المشتركة، الآلام، الهم السياسي.
لا يمكن للثقافة السودانية أن تكون عروبية ولو بعد حين، ما حدث سيجعلنا نوغل في أصولنا الأفريقية بشكل أفضل وأروع، سيعري ما بُتر منا داخلنا بشكلٍ فاضح.
أتوقع أن تكون هنالك ثورة نحو الآخر بشكل أفضل وأرقى. نحن خليط من الأعراق والثقافات إذا ادعينا أننا أصبحنا عروبيين بانفصال الجنوب فماذا سيكون حال جبال النوبة، الغرب في داخلنا بعيداً عن حوش السياسة نحن أكثر إيغالاً في الغابة.
أتوقع وأرى أن يكون هنالك كثيرٌ من التباكي والانكسار، سيكون هنالك ألمٌ عميق وغائر، ولكن هذا سيجعلنا نهفو إلى ذلك الجزء المبتور منا سيجعلنا نراه بشكلٍ أفضل وهو يبتعد عنا رغبتاً وكُرها، عندها سنكتب ونقرأ بشكلٍ أفضل لهم ولنا. سنكتب لأن الأبواب قد طُرقت، بمعنى هل لدينا أدب لمجريات الحرب طول السنين الماضية؟
لا، لأن الحرب آنذاك لم تطرق كل الأبواب يحتمل بابك، باب الجيران أو بابهم ولكنها لم تطرق كل الأبواب.
الآن الوضع مختلف صُفعنا جميعنا بالانفصال توقعناه أم لا، أردناه أم لا.
حدث ما يرعبنا جميعاً رغم وجهات النظر المختلفة فيه من مؤيد ومعارض، حزين وفرح ، ولكنه حدث وطرق كل الأبواب. لذلك رغم سلبيات الانفصال على المستوى السياسي أعتقد أن هناك سيكون زخم ثقافي متدفق تجاه الجنوب وبالتالي ستتولد أشكال مختلفة من صنوف الأدب والمعرفة. أتوقع أن تفتح بيننا طاقة للحكي. ستكون طاقة بدون ألم، بدون إحساس بالضعف تجاه أحد الأطراف، بدون غبن عندها سنرى آخرنا بشكل أفضل وأروع.
لا، سنحتاج لمئة عام من الحزن حتى نقول إننا انفصلنا وتذوب تلك السِّمة الأفريقية.  قطع الأشجار لا  يعني موت الجذور.
أتمنى أن أرى ما أحب؛ فنحن من نفعل ذلك بعيداً عن الساسة والسياسة. نحن الشارع، من نعطي الضوء الأخضر ليفعلوا بنا ما يفعلون، ولنشعل من الآن الضوء الأحمر حتى لا يُبتر منا جزء آخر. ولنحكي بصدق ماذا فعلنا حتى الآن في تربية ذاتنا وترتيبها، ليست السياسة من فصل الجنوب ولكنه ذلك الإرث القديم الذي توارثناه أباً عن جد ولم نواجهه بصدق وشجاعة ولم نقاومه، أن أرى نفسي إنساناً كاملا وأرى الآخر تابع لي أتصدّق عليه بما يجود عن حاجتي! لا لن يحدث ما نُحب حتى  نعيد ترتيب أنفسنا وذاتنا بشكل أفضل  وإخراجها من تلك الثقوب المنهكة، عندها سيبرأ ذلك الجزء المبتور.
عناصر الثقافة متأثرة بالتنوع المتعدد
الباحث نزار ميرغني – ودمدني
          بالرجوع إلى مصادر الثقافة السودانية نجدها تتنوع بتنوع مكونات المجتمع السوداني الثقافي والاجتماعي والعرقي والديني، حيث تشكِّل عناصر الثقافة متأثرة بذلك التنوع الكبير الواسع المتعدد. سيطر تيار (الغابة والصحراء) على هذا الفضاء بصورةٍ كبيرة، وتجلَّى ذلك في إنتاج وافر وذاخر تمثل في الشعر  والقصة، وعبَّر عنها بشكلٍ واضح في الشعر محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر، وهناك علي المك وصلاح أحمد إبراهيم في القصة.
من المرجَّح أن تواجه الثقافة السودانية بعض الإشكالات والمصاعب وهي إشكالات قديمة تمسَّحت بثياب السياسة في المقام الأول، حيث يشكِّل الصراع بين المثقف والسلطة ذروته بعد الطرح السياسي لشكل الدولة بعد الانفصال وتحديد هويتها إلى دولة إسلامية عربية. فهل يؤدي هذا التوجه السياسي إلى فرضية ثقافية في ظل وجود تنوع ثقافي كبير؟ حيث تجد الثقافة النوبية في شمال السودان وهي ثقافة قديمة ترجع إلى ما قبل التاريخ، وهم قوم يتحدثون بغير اللغة العربية. وهناك في الشرق قبائل البِجة، وهي قبائل ذات حضارة قديمة غير عربية، وفي غرب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق هناك ثقافات أفريقية.
إذن، سيكون هناك صراع كبير في المجال الثقافي والفكري ما بين واقع حقيقي وتوجهات سياسية. هذا هو بعض التأثر الذي يفرزه الانفصال على الواقع الثقافي. وإذا تمدد الخطاب العربي الإسلامي على حساب الخطاب الفكري والإبداعي وفرض هذه الأيدولوجية فقد نشهد صراع ثقافات في السودان الشمالي. ربما ينتج مسخاً مشوهاً برعاية مؤسسية وبعيداً عن الواقع على الأرض، ويشكل بالتالي استلاباً ثقافياً مضراً بتاريخ الثقافة السودانية.
من الصعوبة أن يذوب كل هذا التنوع، والأشكال الثقافية والموروث الإبداعي المنتوع بثقافات السودان المتعددة في الحيز الضيق المسمى الثقافة الإسلامية العربية، وهذا ليس تقليلاً من حجم الثقافة العربية أو الإسلامية، إنما للثقافة والإبداع فضاءات واسعة ورحبة تستوعب كل الأشكال الثقافية التي تعجّ بها الساحة السودانية. ومن الصعوبة أن تضمحل بسهولة؛ لأنها تملك صفة المقاومة؛ وذلك لتناسبها والمزاج السوداني في التناول اليومي مع كافة أشكال الثقافة السودانية المتنوعة، ولأنها تمتلك الأدوات التي تساعدها على البقاء كثقافة ثابتة ذات خصوصية وتفرُّد وتأبى أن تضمحل وتذوب في غيرها من الثقافات. إنما من الممكن أن تضيف هذه الثقافة العربية والإسلامية إلى نفسها الملامح التي كونتها أساساً من خلال معايشتها للثقافة المكانية.
يبقى السودان بشكله الثقافي والإبداعي المتنوع ثابتاً على أرض الواقع، معبِّراً عن المكوِّن الأساسي والإثني لأهل السودان بصدق وحقيقة بائنة، ومن المهم والضروري جداً أن يظل السودان وطناً متعدد الثقافات والإثنيات.
أحلم وأتمنى أن يظل السودان بهذا التنوع الكبير، المحتشد بأنواع ثقافية ذات خصوصية نادرة ومتفردة تأبى الأفول والغياب.
هيكل الثقافة السودانية لم يقم بعد
الكاتب والناقد قصي مجدي سليم – الخرطوم
أختلف "مفهومياً" مع السؤال من حيث تقرير حقيقة أن (هيكل) الثقافة السودانية قد تشكّل، وأن ملمحي التشكّل هما الغابة والصحراء!
في حين أن اعتقادي – وحسب السانحة المكفولة لي- يمكن إيجازه بأن هيكل الثقافة السودانية لم يقم بعد! ولقد فشلت الدولة السودانية، وفشل المجتمع السوداني، في صهر الثقافات السودانية المتعددة-والتي تتجاوز الغابة والصحراء للبحار والجبال والتلال الخ- صهرها في قالب يتسع للتعدد، ويديره بحرفية تُستَخدَم الثقافة – في هذا الإطار- كوظيفة لتحقيق السعادة والرفاهية - دون الإخلال بأي تعريف آخر للثقافة من حيث أنها الكل المتعدد للثقافات والعادات الخ.. أو، مظهر لنبوغ الإنسان وتقدمه وإبداعه من خلال اختزال المعرفة البشرية ودراستها وتصنيفها.
وما بعد الانفصال لا يختلف عما قبله إذا استمرت الدولة واستمر المجتمع في ذات التجاهل للتعدد، حيث سيستمر شكل (شبه الهيكل) الثقافي السوداني (خصوصا الشمالي) في ذات حالة الإنكار(denial) لوجود أزمة تعوق بنائه واكتماله.
إن تمظهر الثقافة في الشمال (الحديث) نجده في أوعية مثل (الحركات السلفية، الحكومات الشمولية، الزعامات المتناقضة مع ذاتها، التدني المعرفي، الاقتصاد شبه رأسمالي الطفيلي، النزوح، الحروب الخ..) هذه الملامح يمكن أن تذهب للأفضل وتتطور للأسوأ حسب المعالجة المجتمعية والحكومية، في رأيي أنها ستتجه للاتجاه الثاني، في حين أني أتمنى أن نتجه نحو الاتجاه الأول.
إن هذا أمر معقّد، ويحتاج لروية، ويحتاج لتحديد (ماذا نقصد بالسودان؟ هل نقصد الشمال، أم الجنوب، أم الاثنين معاً؟)، وكما قلت سابقا- فإنه لا توجد ثقافة سودانية واحدة - فبالتالي لن يكون هناك تأثير على (ثقافة) واحدة، وإنما سيكون هناك تغيير كبير لثقافات عدة، خصوصا فيما يتعلق (بنمط العيش) والثقافات الاقتصادية عموما.
سيؤثر الانفصال على (الشمال) من حيث التركيبة السكانية بصورة كبيرة وملحوظة، كما سيحدث الأمر ذاته بنسبة أقل بالجنوب، كما سيتجه الشمال نحو المنطقة العربية بصورة أكبر مما سيعزز حالة (الإنكار) ومما سيسبب له صدمات ثقافية لا حصر لها.
في حين أن الاتجاه الأفريقاني للدولة الجنوبية سيكون أقرب للحقيقة ولكنه أيضاً لن يُواجه بقبول كامل من أقليات (شبه عربية ومسلمة) توجد بالجنوب.
كما بدأت فهو أمر معقّد ويحتاج لحديث أطول من هذه السانحة.
كما قلت- وسأعيد مرات عدة - فإن أهم ميزة توجد لدى غالبية سكّان الشمال هي (الإنكار) يصاحبها على الدوام ميزة التزييف ولي الحقائق –كمثال- فإن السؤال يضع السمة الأفريقية تشكّل بعداً ثانياً في الثقافة السودانية، وهي من الموروثات الثقافية التي تنكر حتى أنها تسكن وتعيش وتتنفس في (أفريقيا)، والتي تعلم أن أي هجرات مهما بلغ كثرتها لا يمكن أن تحول (ديموغرافيا) بلاداً بأكملها وتحل جنساً آخراً بدلا عنهم! لقد دخل العرب الى السودان ولكنهم صاروا نوبة ولم يصر النوبة عرباً! أما القبائل الرعوية العربية التي تعيش في كردفان والبطانة فهي حديثة الدخول إلى أرض السودان (وفي هذا الإطار فإني أوصي بمراجعة أطروحة دكتور الباقر العفيف مختار حول الهوية والحرب الأهلية في السودان). حتى لا أطيل فإن السمة الأفريقية هي السمة الأولى، وهي لن تنتهي مهما حاول غلاة العنصريين.
حلمي الأساس هو للإنسانية جمعاء، حلم أن يعم التسامح وتعم الديمقراطية، ويعم السلام. هذا هو النظام (العالمي) الذي يمكن من خلاله أن تدار قضايا الثقافة، وتتشكل ملامح الهوية، وتزدهر الحضارة البشرية على الكوكب.. هنا فإني أدعو بدعوة الأستاذ محمود محمد طه: بخلق رأي عام لا يضيق بأنماط السلوك المختلفة!
عليه فليكن واضحاً أنه لا سبيل للسلام والأمن والسعادة دون الديمقراطية، وأن الانفصال هو نتيجة طبيعية لسوء الإدارة والشمولية، وهو يحدث بين الإسلاميين أنفسهم، وليس بينهم ومخالفيهم في الرأي فحسب، فهم (لهم قلوب لا يفقهون بها).
السمة الأفريقية أهم ملامح الإبداع السوداني
القاص والشاعر محمد الخير حامد – الخرطوم
بالتأكيد إن انفصال السودان سيفرز واقعاً ثقافياً جديداً، وسيترك أثراً بالغاً في الوجدان السوداني والمبدعين بشكلٍ خاص، مما سيؤثر كذلك على الإبداع السوداني  الناتج منه بشكلٍ عام، و من المتوقع أن يفرز مدارساً ورؤىً فكرية جديدة كما هو الواقع الجديد المعاش، فالمبدع مرآة لمجتمعه، وهو يؤثر ويتأثر بالمجتمع بالتأكيد.
أستبعد أن تذوب السمة الأفريقية (الافريقاني) التي ظلت من أهم سمات الإبداع السوداني ومصدر تفرده بين الإبداع العربي والأفريقي مهما كانت الظروف. أرى أن المبدع السوداني سيظل كما هو من حيث النزعة المزدوجة لاعتبارات جينية معلومة، و لكن واقع الانفصال إذا حدث سيغير بالتأكيد من قيمة كثير من الأعمال الإبداعية التي ظلت تمجد و تصفق لوحدة السودان.
أتمنى أن يعي المثقف السوداني في ظل الانفصال والواقع المعاش دوره الذي يجب أن يلعبه في توثيق المرحلة وتوجيه الوجدان السوداني إلى ما هو خير للإنسانية  للوطن بشكل عام، و أن يجنب الله وطننا التشتيت والتفرق.
البلد الأفريقي متعدد الثقافات
الروائي منصور الصويِّم – الخرطوم
بداية لا بُدّ من تثبيت أن مصطلح (الغابة والصحراء) أسس له سودانياً من قبل مؤسسي المدرسة أو الحركة الأدبية التي حملت ذات الاسم، وهي تحاول وضع حلول لإشكالات الثقافة السودانية متمثلة في مأزقها الأكبر وهو الهوية، واجتراح (الحل) لدى هذه المدرسة جاء عن طريق خلق تصور شعراني/ أدبي يتم فيه المزج بين الهويتين (الغابة - الإفريقية والصحراء - العربية)، حلاً لإشكال الهوية المؤرق حينها وإلى الآن، وهذا الحل الشعراني – الفكري نوعاً ما يظهر جلياً في أعمال مؤسسي هذه الحركة الأدبية وأشعارهم (النور عثمان أبكر، د. محمد عبد الحي، محمد المكي إبراهيم). ثانياً وفي محاولات لاحقة لمفكرين وأدباء سودانيين تبنوا هذا الخط أو أمنوا بالفكرة؛ تبين لهم أن السودان وهويته المتمأزقة؛ سواءً قسمته إلى غابة وصحراء (شمال وجنوب)، أو أخذته شمالاً فقط ستجده مكوناً أيضاً من هذه الثنائية المدهشة (غابة وصحراء)، باعتبار أن الإفريقية متجذرة في هذا البلد الإفريقي (متعدد الثقافات)ـ وهذا ما دعا بعض المفكرين السودانيين لاجتراح آخر ومدرسة جديدة هي (السودانوية)، التي تنادي للاعتراف (بسودانيتنا) قبل كل شيء سواء كنا صحراء /غابة أو غابة/ صحراء وهذا يظهر بوضوح في كتابات ورسومات المفكر التشكيلي الراحل أحمد الطيب زين العابدين وبعض الدراسات والاشتغالات التشكيلية والأدبية الحديثة لكثير من المثقفين السودانيين، إذن وبالعودة للسؤال فما أراه أن الانفصال لن يخل بعمق الثقافة السودانية في تكاملها الإفريقي العربي، بمعنى أن ذهاب الجنوب لا يعني ذهاب الثقافة الإفريقية (الغابة)، لأن هذه الثقافة مكون أساسي من مكونات الثقافات السودانية وضامن أساسي لاستمرارية هذه الثقافات، وحدوث أي تعالٍ أو إنكار من قبل ثقافة المركز (الصحراء) لهذه الثقافة يعني ذهاب ما تبقى من السودان – جغرافية وثقافة وشعباً.
بالتأكيد حدوث الانفصال سيخلق فراغاً ثقافياً بالمعنى الإجرائي وهذا سيكون على المدى القصير، بما يعني توقف خفوت وتراجع بعض النشاطات والاشتغالات الفنية (أدبية، بصرية، فكرية وتشكلية وغنائية راقصة)، لكن هذا التوقف أو التراجع سيكون مؤقتاً ومرحلياً – بسبب غياب الحريات وعلو صوت ثقافة أُحادية تحاول الهيمنة على باقي الثقافات السودانية وإقصاءها؛ فهو مرحلي لتجذر هذا التزاوج والتوالد الثقافي سودانياً ولاشتغاله في عمق الثقافات السودانية، فالفصل الحدودي والسياسي يقف عاجزاً أمام التلاقحات الثقافية لشعب (شعوب) تتمازج ثقافاتها منذ أمد بعيد.
السودان في الأساس بلد إفريقي وثقافته ثقافة إفريقية والمكون العروبي الاٍسلامي مكون طارئ، لكنه شكل بعداً أساسياً بعد دخوله السودان في تكون الثقافات السودانية، كما أن السودان بشكله الحالي – عقب الانفصال – أكثر مكوناته الثقافية والإثنية إفريقية (غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً جديداً) – هذا في حال اعترافنا بإثنيات عربية خالصة -، نعم قد يعمل تصاعد الخطاب العروبي الإسلامي ولو لزمن يطول أو يقصر على قمع الثقافات الأخرى، لكنه سيواجه بعمق وتجذر وتغلغل هذه الثقافات (الإفريقية) في النسيج السوداني؛ وحينها سيسقط هذه المشروع (الخيالي)؛ الذي ظل يعمل وما يزال يعمل على عمق سطح الهوية السودانية وليس في عمق العمق لهذه الهوية.
   ما أحلم به وأعمل لأجله هو أن يكون هناك اعتراف حقيقي بمختلف الثقافات السودانية وإعطاءها حقها الكامل في الوجود والتعبير عن ذاتها؛ لأن هذا الاعتراف هو ما سيُحقق للسودان استقراره وأمنه.
*نشر بصحيفة الزمان اللندنية العدد 3807 السبت 29 يناير 2011

للأشياءِ أرواحها

للأشياءِ أرواحها
هكذا تقول أمّي
لطالما تحدثتْ أمي مع الأشياء والمخلوقات وعاملتها كما البشر؛ فأمي تتخذ إجراءاتٍ تخصّها وحدها عندما يَحْرِن صَّاج العواسة* ويخرب لها كِسّرتها (فطائرها) بأن يمزِّقها أو يلصقها به أو تُصبِح شديدة الطراوة والليونة مع بقايا العجين على سطحها.
مشاكل الصَّاج عادةً إما لحاجته إلى قطرة زيت تُمسح به وتُطوعه، أو لانخفاض درجة الحرارة، أو لارتفاعها بسبب تراكم الحطب والجمر تحته. هذه المشاكل حلولها بانتفاء أسبابها، لكن لدى أمي فالحلول مختلفة كما هي تفاسيرها؛ فالصَّاج يُصبح متمرداً، عنيداً وقليل الأدب ويحتاج للتقويم، يكون ذلك بالتحدث معه بلهجة صارمة متوعدة، وإن لم يستجب، تقوم وتُحضر المدق وتضربه به على أم رأسه مهددة بتهشيمه له. وللغرابة فأن الصَّاج بعدها يؤدي مهمته على الوجه الأمثل.
          ولطالما تحدثتْ أيضاً مع الأباريق، والأبواب، كذلك مع الحليب عندما تضعه على النار وتحذره من الفوران إن هي قامت لقضاء أمرٍ ما، وهي تخاطب البعوض، والنمل وتخشى نوعاً معيناً من النمل هو النمل الطائر (أبْ رِيش) كما نسميه، ولأنها تخشاه فهو غالباً ما يلسعها ولسعته مثل الجمر الأحمر، وكذا تخاطب الفئران والقطط والضِبوب، باختصار كل تتعامل معه أو يحوم حولها في لحظة ما. فالفئران المختبئة والمتربصة والسريعة التي تنقض، تخطف، وتعود لجحرها قبل أن يستطيع أحدٌ منا ـــــ نحن المتواجدين في المطبخ ـــــ تحديد كيفية إبعادها: بفردة حذاء أو ملعقة أو بغطاء أقرب قِدر إليه! عندما يقرر بعد تلك الحيرة يكون الفأر قد اختفى في جحره يستمتع بغنيمته.
تقول له أمي:
ـ شيل من الواطة (الأرض) دي العاوزو، لكن أو أوعك ألقاك يوم جوه حلة أو بتفتح فيها، ح يكون آخر يوم في عمرك.
مع هذا ولأن القطط ليست فئراناً فقدت وجدتْ ابنة أختي قبل أيام القطة وهي تحاول فتح قدر وجبة الغداء، وكانت لتكون كارثة. لكن إن فشلت محاولة القطة هذه المرة، فقد نجحت في مرةٍ سابقة. حدث ذلك عندما وضعتْ أختي كيس الخُضار واللحم على الأرض الترابية، وخرجت من المطبخ لتُحضر ماءً، فجاءت القطة وخطفت اللحم وشرعت في الهرب في ذات اللحظة التي دخلت فيها أختي ورأتها، جرتْ خلفها تلاحقها رافعة فردة حذائها وتصرخ:
ـ بِسْ.. بِسْ.. بِسْ، الكديسة الملعونة دي خطفت اللحمة!
فحضر ابنها الصغير وطارد القطة. بعد عشرة دقائق جاء بقطعة من اللحم تفضلت بها القطة بعد أن شبعتْ وتركتها في المخزن معفّرةً بالتراب.
غالباً ما نكون مع أمي في المطبخ أثناء إعدادها الطعام وحواراتها مع الأشياء حولها. تجلس أمي على المقعد القصير وتضع أوانيها قربها، وبجانبها ترقد قطة أو أكثر في انتظارٍ قلقٍ لرزقها.
نتندرُ نحنُ ونضحك على أنسنة أمي للأشياء والكائنات ولا نجزم تيقناً من أن الاستجابة تحدث، مع أن بذر الشك يكون منثوراً داخلنا، لكنها ترفض ضحكنا وتشككنا وتؤكد أن للأشياء حياتها وروحها وحسّها، بل لها آذان أيضاً!
          من عاداتها أن تصنع شاي الصباح على الفحم على الموقد؛ لأنها تقول: إنه أطيب وأكثر حلاوة من شاي البوتوجاز السريع والخالي من المتعة. ذات صباحٍ خريفي كان كل شيء مغطى بحبيبات الندى الرقيقة، عدا الأرض فقد كان يغطيها الطِّين والوحل؛ لذا كنا نسير حافييّ الأقدام، تغوص أقدامنا في نعومة الطِّين ويخرج من بين أصابعنا مثل العجين من فمِ الخلاط. في الليلة السابقة كانت قد نسيتْ الفحم والورق وقطع الكرتون في الخارج فابتلَّ معظمها. أحضرتْ أمي الموقد ووضعت الفحم عليه وحشرت الورق وقطع الكرتون من فتحته بالأسفل. وبدأت بكل طاقتها تخبر نفسها والورق والفحم بأنه جاف وسيشتعل، ثم أشعلت عود الثقاب.
وبالطبع لن تصدقوا إن قلت إن النار اشتعلت في الورق، إلا أن هذا ما حدث. بدأ الورق في الاشتعال ليس من المحاولة الأولى، إنما مع عود الثقاب الرابع. إثر نجاح محاولاتها في التودد إلى الأشياء أو الإيحاء لها أو تهديدها فهي عادة ما تبتسم وتلتفت إلى من بجانبها وتقول بفرحٍ وانتصار:
ـ ما قلت ليكم!
          قبل مدَّة وضعت القطة داخل الغرفة، وأقامت مع أبنائها الثلاثة عند الزاوية تحت السرير. أمي هي الوحيدة التي  لم ترَ القطة أو أبناءها، مع أن لكل واحد منا قصة مع هذه الأسرة السعيدة. ذات يوم دخلتُ الغرفة وشعرتُ بشيءٍ ناعم مخملي يلامسني ويتحرك تحت أقدامي، صرختُ وقفزتُ وطفر قلبي معي، وحطَّ عندما وضعت قدمي مرة أخرى على الأرض، حينها سمعتُ مواءً واهناً من تحتي؛ فقد وطأتُ على ذيل أحد الصغار. وحدث نفس الشيء مع أختي عدا أنها لم تطأ ذيلاً.
كان هذا الفزع في أيام الولادة الأولى، ولكن عندما تعودنا على الأمر وتعودوا هم وتعايشنا معاً، أصبحنا نرى الأم مستلقية على البلاط البارد قرب المنضدة وهي تمارس دورها الأمومي الأزلي في إرضاع الصغار، أو يلعبون هم حولها وينتشرون في أرضية الغرفة تشاركهم رغد اللعب.
ذلك اليوم هو اليوم الوحيد الذي صادفتْ فيه أمي القطة وكانت دوما ما تنبهني:
ـ أعملي حسابك من الكَدِيسة دي ما تخربِش رغودة!
وجدتْها في مكانها الأثير قرب المنضدة تُرضع في صغارها، نظرت في عينيها وقالت:
ـ ولدتي وحمد لله على السَّلامة. إنتي وأولادك قاعدين جوه هنا ما سألناك ولا طردناك ولا عارفين بتعملوها وين!
ثم أردفتْ بحسم:
ـ فترة النفاس انتهت، وأولادك كبروا شوية، لِمِّي أولادك وأمشي مكان تاني لا نضرك ولا تضرينا!
وجاءت الجملة الأخيرة تحسباً من أن تكون القطة مُتلبسة بأرواحٍ شريرة فتنتقم كردِ فعلٍ على إخراجها من الغرفة.
القطة الطيبة فهمت جيداً ما قالته أمي، ورحلتْ في ذات اليوم لتسكن في المخزن القريب من المطبخ، بل يمكن لها ولأبنائها الدخول والخروج من خلال الشّباك المطل على الزقاق حيث يفتح أيضاَ باب المطبخ.
وجدتُها بعد أيام من رحيلها مضطجعة على الأرضِ الرطبة في ظل الضُحى أمام المطبخ، ابتسمتُ لقدرة أمي العجيبة في الإقناع! الصغار ممددون ويلقمون بنهمٍ حلماتها الممتدة على طول بطنها، أما هي فكانت في قيلولتها أو هكذا بدا لي.
ـــ
*صاج العواسة هو صاج تُصنع فيه فطائر من الذرة تسمى الكِسرة ، وهي وجبة شعبية لا غنى للسودانيين عنها.


2010